رؤية فنية تنتفض على الكلاسيكية في تبسيط طرق معالجة الصورة الفنية
ضحى عبدالرؤوف المل
يدمج الفنان "سيغمار بولك" (Sigmar Polke) الألوان مع القماش وفق سيناريو المزج التقني العشوائي نوعاً ما، وإنما بواقعية لها نظمها التصويرية التي تنطبع في ذهنية الصورة قبل البصر. لتكون واقعاً محاكياً للخيال عند الرائي، وباختزال تصويري ينتهجه بولك لتكون اللوحة أو الصورة تحريضية للبصر قبل أن تكون مستفزة للحواس لما تحمله من غرائبية في التنفيذ. ليكسر بذلك تقنيات اللوحة التقليدية، وثورتها البصرية مع الحفاظ على جمالية الأبعاد في تحقيق نسبة عالية من الجذب البصري، وبتعبير لوني رومانسي ذي ألوان حرارية تتوهج على الأقمشة والخامات الأخرى. فالاطر المرئية هي جزء من تشكيل تصويري متداخل في إسقاطاته السيميائية، وانعكاسات ذلك على الأسلوب العصامي الذي ينتهجه. ليحقق نوعاً من الانكماش الفني، ويحصره في مساحة هي نص بصري، وخلق فني تولد من خلاله الصورة بتقنيات فنية رغم ابتعاده عن المألوف في تنفيذ إخراج الصورة أو ولادة اللوحة إن شئنا التعبير. إذ يحاول فتح الألوان على معايير عديدة ناتجة عن الدمج الديناميكي بين العناصر الفنية بشكل عام.
تصوير فطري إبداعي خلاق لجأ إليه الفنان "سيغمار بولك" للتعبير عن ثقافة فنية بصرية تميل إلى رفع القيم السطحية، واتساقها مع التشكيل والاستثارة البصرية المرافقة له، وكأنها دائماً في حالة زمنية جديدة، مما يستدعي الإثارة الحسية نحو اللوحة والانجذاب. فالمستويات الفنية المتفاوتة والمتباينة توحي بانعكاس أنماط الحياة على المجتمع ومجالاته الإنسانية الحيوية في تطلعاتها التصويرية وغيرها، مما ينتج رؤية فنية تنتفض على الكلاسيكية في تبسيط طرق معالجة الصورة الفنية وتقديمها بأسلوب يواكب تطورات العصر واحتياجات الصورة البصرية.
يناور "سيغمار بولك" فنياً فيعالج لوحاته بخامات تقنية متعددة في سبيل استخراج المفهوم البصري الذي يحدده بمؤثرات حسية لها انطباعاتها المتأصلة لونيّاً، متحكماً بذلك في إنتاجية اللوحة، وبمناورة لونية تناقض بعضها البعض، وتتنافر مع مرئية الشكل. إلا أنه يروضها "سيغمار بولك" لتكون إخراجياً تبعاً لرؤيته الفنية تماماً، كما يريدها دون الاستسلام لعاطفة اللون أو قدرات المادة أو الخامة التي يستخدمها. لتطويع قدرة الامتداد والانكماش، والتوفيق بينهما ضمن الوقائع التي يسكبها في المعنى التعبيري المرافق للمعاني الأخرى.
تتعدد الأشكال في أعمال الفنان "سيغمار بولك" فيتفنن في إخراج ما هو محسوس، ليدرك المتلقي الفكرة، وكأنه يبحث عن ثقافة فنية ترويجية تلتزم بمقاييس الجمال الفني حيث تتزامن لغة الفن التشكيلي مع التصوير ودلالاته المتزامنة مع فنية التفاصيل التي يستخرجها عبر آلية فنية تحفيزية للعين والعقل، مما يخلق تشكّلات ذهنية تتماثل مع اللوحة وتستثير سلسلة من التساؤلات التي تقود الفكر إلى الخلط بين الذاتي والموضوعي، والواقعي والمتخيل، ليبرز دور الحواس في تشكيل التفاصيل ودقتها المتآخية مع الواقع والحقيقة والبعيدة عنه في آن.
تترك أعمال الفنان "سيغمار بولك" أثراً في النفس ذو خاصية جمالية لها زمنها الخاص الذي يختزن اللحظة الحدث، ويضعها ضمن أطر الرؤية الفنية، الخاضعة لمنطق الفن والجمال، والمعايير التذوقية الهادفة إلى جذب الحواس بقوة نحو الفكرة، والقدرة على صياغتها والتفرّد في طبيعة تكوينها التي تعتمد على المفردة الأسلوبية المستخدمة في تشكيل المعنى اللوني، وحجم النقاط المبنية على اختلافات المسافات، والتظليل مع الحفاظ على الفراغات السلبية والإيجابية وانعكاسات القيم اللونية من خلالها. إذ تبدو الخطوط ثابتة ذات صلابة بصرية تتزن مع الاتساع والامتداد بين الوحدات الفنية والفراغات بعناصرها البصرية وفضاءاتها المفتوحة الأبعاد والرؤى التي تجسد الفكرة بمرونة فنية.
أعمال الفنان "سيغمار بولك" (Sigmar Polke) في غاليري الجامعة اللبنانية الأمريكية "American University of Beirut Art Galleries" تستمر حتى 16 كانون الأول 2015.
ضحى عبد الرؤوف المل