محبة الكاميرا الهوليودية لرمال الصحراء تتفوق على محبة المدن الغنية بالتراث العربي

ضحى عبدالرؤوف المل _ لبنان

تتحكم العدسة الهوليودية في تصوير المدن الإسلامية أو العربية في أفلامها، وكما يحلو لها، لتجعل من المدن العربية هدفًا جماليًا لأفلامها، لتستقطب الشغف العربي والغربي معًا في رؤية البلاد العربية من خلال العدسة الهوليودية الميّالة إلى خلق أهداف درامية تعيق فهم الغرب لحقيقة هذه الأرض الممتلئة بالإرث التراثي التاريخي، من الأهرامات في مصر وصولًا إلى المغرب وكنوزها الطبيعية. ذلك ضمن الفهم المطلق بأن الشعوب العربية لا تدرك قيمة أرضها التي يستدركها بطل الأفلام الهوليودية، أما بمحاولة إنقاذها أو بمحاولة حفظ الأثر بما يمتلكه من تقنيات حديثة في الاستكشاف، وحتى في القضاء على العربي المستهتر بآثار بلاده التي يتاجر بها. كما في فيلم "حجر الكوديك" للمخرج "جوني تايلور"، الذي فتح العدسة على جمال الصحراء، ثم أكمل الموضوع في كهف يعيد للعبرانيين أسطورة لا تغني ولا تسمن من الجوع، لندرك في نهاية الفيلم أن للعبرانيين وجودهم منذ زمن الأساطير بتشفير يؤدي دوره ببساطة شديدة عند المشاهد الغربي قبل العربي. فهل الأهرامات في مصر هي أرض خصبة للأفلام الغربية التي لا ترتوي من هذه الآثار المعجزة؟

إن محبة الكاميرا الهوليودية لرمال الصحراء تتفوق على محبة المدن الغنية بالتراث العربي الفضفاض غالبًا في إغناء الأفلام الهوليودية بما تريد وترضى. إذ اعتمد فيلم "ملكة الصحراء" الذي تم إنتاجه مؤخرًا بانتاج يفوق الخيال على منح المرأة قوة في استملاك الفكر العربي، لتحقيق غايتها الاستخباراتية وبرؤية صياغية يتفاخر بها منتج ومخرج الفيلم. ليمنح المتذوق الغربي فخرًا مصطنعًا من خلال السيناريو التركيبي، والخارج من فكر يبحث عن العظمة بين جمال المدن العربية مع التفخيم في المواضيع الدرامية المنقحة من خلال قوة الكاميرا الهوليودية والسيناريو في آن. فهل تستطيع الدراما الغربية بسط سلطتها على المدن العربية وخصوصًا المغرب ومصر لجمال البلدين وقوة الجذب البصري المؤثرة على جمالية التصوير في الأفلام ذات الصيغة الفنية الهادفة إلى تأمين إشباع الوجدان الغربي ونهمه في رؤية البلدان العربية، وباستشراق ذي معاني حديثة تحتل فيه الكاميرا الهوليودية ميزتها في التقنية والتكنيك السينمائي الموجه إلى المواطن الغربي بالدرجة الأولى؟

تجسد الأفلام الغربية الواقع المرئي بحنكة ومهارة دراماتيكية تؤدي دورها في خلق صورة تكتمل بصمتها في تأدية دورها السينمائي بمجهرية متوازنة بواقعها الهادف إلى لمس الفروقات بين الشعب العربي الحاضر والماضي. ضمن معجزات الإرث الآثاري والأماكن الطبيعية المهجورة التي لا يستطيع استثمارها العربي، وتتحول إلى مادة دسمة للأفلام الغربية بمظاهرها الجيولوجية والمناخية، وبتشكيلاتها الصحراوية والبحرية القادرة على احتواء مواضيع الأفلام ضمن إنتاج يساعد على تحقيق الهدف من كل النواحي السينمائية التي تتميز بها طبيعة المشاهد، كتلك التي تم تصويرها في صحراء مصر، وبين مساجد تركيا الأثرية، وحتى في الأهرامات وداخل أحياء مدينة القاهرة التي تعتبر هي الجاذب الأول للأفلام الغربية، ولعدسة تستبطن الفكرة وتظهر عكسها فكريًا. فهل نحن من نمتلك الكنوز ونتركها للكاميرات الهوليودية كمادة سينمائية دسمة تدر الأموال الطائلة على أصحابها؟

تتقن الدراما الغربية المحافظة على إنتاجية مدروسة من كافة الزوايا الفنية، لتكون قادرة على رفع المستوى التقني أو بالأحرى البصري المرتبط بانعكاس الصورة الذهنية على الوجدان والعقل، خصوصًا ضمن الأفلام التاريخية المرتبطة بالمكان والزمان، والأثاث والملابس، وما إلى ذلك من عناصر ترتبط بالمشرق العربي من ناحية العادات والتقاليد، والبذخ في بعضه. أو ربما في أغلبها، فإما العربي في الأفلام الغربية هو الباذخ المترف الممتلك للمال بشكل جنوني، أو هو الفقير المعدم، أو الإرهابي الذي يقتل دون خوف أو تردد. وفي كل الأحوال، تبرز الأفكار الاستشراقية بصورها المختلفة غير المألوفة عن السابق من حيث مراعاة الطراز العربي كفيلم "ملكة الصحراء" وعبر الأحداث الدرامية الهزيلة، وغير المنطقية. وفي المقابل، قوة الإنتاج والإخراج والعناصر الأخرى، لتغطي المدن العربية بجمالياتها على الأخطاء الفكرية في التأليف والسيناريو الضعيف، كما في فيلم "حجر الكوديك" الذي يبرهن على أن الآثار المصرية ذات مرجعية عبرية، وهي الحضارة الأساس التي يجب استرجاعها كما تم استرجاع "حجر الكوديك"، وفي هذا ضعف في الفكرة العامة للفيلم. لأن الحقائق لا تمحى من سجلات التاريخ، ومن مدن عربية ما زالت تحتفظ بآثارها الغنية عن التعريف كمدينة مكة والمدينة التي لم تستطع الكاميرات الهوليودية استغلالها، لأنها محظورة ضمن مراقبة عامة أو إلا ضمن معايير ومضامين تضعها الجهات المسؤولة داخل دائرة المراقبة الشديدة. فلماذا لا تطبق هذه المراقبة الشديدة في البلدان العربية الأخرى؟

تعتمد الحضارة الغربية على الإنتاج الدرامي في التأثير على الفكر العربي، أو بالأحرى على المشاهد العربي تحديدًا. إذ تحاور المشاهد بصريًا قبل الكلمة وضمن القدرة التمثيلية التي تمتلكها بعروضها التعبيرية سينمائيًا. مما يؤكد أنها ستحتاج إلى تنوع في الأماكن المفتوحة على جماليات ذات مؤثرات خاصة، ودون الخلط بين الأدوار الفنية، فلكل منها أهميته من حيث الموسيقى التصويرية والحركة التعبيرية المثيرة فنيًا، وهي عبر شاشات السينما تبني الحضارة العربية في أذهان شعبها تبعًا لتوجهاتها المستقبلية ورؤيتها مستخدمة المدن العربية كأرض خصبة للسينما الهوليودية ذات الوجوه الانعكاسية المشفرة ذهنيًا لصالح الحضارة الغربية أولًا، ومن ثم للاستيلاء على التذوق العربي للدراما الغربية المتلهفة لمدننا العربية. فمتى نستطيع استثمار كنوزنا العربية في دراما تاريخية قادرة على إعادة بناء مجد الماضي كما يجب، لننطلق مع الحاضر السينمائي نحو مستقبل متآخٍ مع الحضارات بأكملها ودون استغلال للإنسان لنكون أمة مشرقة تدعو إلى المحبة والإيمان والإنسانية والسلام.

تم نشره عام 2015 في جريدة الانشاء