رسالة بصرية هي جزء من الوجود الأمريكي في العراق.

ضحى عبدالرؤوف المل

يسترشد الفنان "محمود شبر" بالأحداث العراقية أثناء دخول الأمريكان إليها، ليعيد إلى الذاكرة التشويه البصري الذي أدى إلى طمس شعارات كانت بمثابة رموز تقود الفرد إلى معرفة أسماء الشوارع والأحياء، والمدن العراقية، وأبرزها بغداد التي خصصها بلوحات تتميز بخربشات واعية تقود الفكر نحو رسالة بصرية هي جزء من الوجود الأمريكي في العراق، والتلوث البصري الذي حدث، معالجًا بذلك ظاهرة ترافق الحروب أو دخول الغرباء إلى وطن ليس لهم، ليصبح كل شيء فيه مستباحًا حتى التاريخ، وما تحمله المدن من نفائس ربما ليست ثمينة بالمعنى الكامل للكلمة، ولكن بما تحمله بمعناها الداخلي والخارجي. وكأن شارات اللوحات في أعمال الفنان "محمود شبر" هي فقدان السلام الداخلي للأوطان.

احتلت الإشارات والرموز جزءًا كبيرًا من مساحة لوحات الفنان "محمود شبر" لتكون أرشيفية تاريخية تجسد لحظات دخول الأمريكان العراق، وبغداد تحديدًا، وحتى تلك الصور التي طمس وجوهها بسلبية أشبه بنيجاتيف تصويري احترق البعض منه أو تعرض لتهشيم جوهري ومعنوي بالمضمون، وضمن الأسلوب الإعلامي الذي ترك للخلفية محاورتها برمزية تهدف إلى خلق حوارات زمنية تحمل أهدافًا عراقية بحتة، وصورة فنية ذات مضمون وطني، وأوجاع لفها بالألوان الداكنة والظل لحضارة عراقية تم انتهاكها وانتزاع الجمال منها بل! وعناصر الحضارة الجمالية بكل رموزها ومقوماتها. فهل يحاول الفنان "محمود شبر" وضع المتلقي أمام الحقائق التاريخية التي حدثت في العراق ولم ينتبه لها الرأي العالمي؟

نظرية فنية كولاجية قيمة برمزيتها البسيطة والسهل الممتنع بصريًا. إذ يتوج لوحاته بالعمق البلاغي للمعنى الحضاري الذي يجب أن تتمسك به المدن أو من يريد فتح مدن بأخلاقية لا تقبل التهشيم والتدمير، وإقصاء التاريخ أو طمس معالم الماضي أو سرقة كنوز وطنية هي بمثابة وجود تم وضعه بين أيدي الجنود الأمريكيين الذين استطاعوا اختراق كل ما هو مباح، وكأن المدن أصبحت تهجيرية بحتة حتى بمعالم الحضارة التي كانت موجودة قبل دخول الأمريكان إلى العراق. فهل يؤكد "محمود شبر" من خلال لوحاته على جمال العراق قبل زوال حكم صدام أم يريد ترك رسالة للأمريكان مفادها أن من يريد دخول المدن فاتحًا عليه أن يحافظ على رموزها الجمالية وحضارتها؟ وفي الحالتين، ترك للمتلقي استكشاف مضمون رمزية لوحاته بإيحاءات نسجها أو بالأحرى كفتها بكولاج ديناميكي يتناقض مع العناصر الأخرى، مما منح لوحاته نوعًا من الدراما الحزينة التي أعادت إلى الذاكرة معاناة بغداد وشوارعها ووجودها بشكل عام.

إشارات هي مقومات الحياة النظامية في البلدان، وتهشيم هو نسيان لمعالم ربما طواها النسيان، وأراد "محمود شبر" إعادتها إلى الذاكرة الفنية المؤرشفة للأحداث الوطنية برمتها بأسلوب محكم الرؤية والأبعاد بمفاهيمها المعرفية والسلوكية. إن سيكولوجيا وانتروبولوجيا تشترك فيها ثقافة الشعوب من خلال الفن التشكيلي، وما تحمله الريشة من هموم وطنية كحلها برجالات وأفراد تم إبعادهم عن الحكم بأسلوب تشويهي ربما يصيب النفس بإحباطات زادت من مساحة الوجود ومشكلاته المكثفة بالاهتمام بالكولاج، وقصاصات أوراق الجرائد والمجلات والأخبار، ربما ليؤكد على أهمية الخبر في حياة الشعوب وتأثيره على الحجر والبشر معًا.

يثير الفنان "محمود شبر" بأسلوبه التقني المعقد نوعًا ما فنيا، لما تحتويه اللوحات من عدة أساليب فنية الحس البصري الإنساني. لأن ممارسة القهر على المدن لا تتم على الإنسان فقط، وإنما على تراثه ووسائل التمدن في معيشته وحياته ووجوده على أرضه، لهذا مد لوحاته بتقنيات عديدة هي عبارات دلالية لشخصيات ترمز إلى خراب العراق حتى أبسط الأشياء فيه، والتي قد لا ينتبه لها الإنسان إلا من خلال الأسلوب الجمالي الذي قدم من خلاله.الفنان محمود شبر اعماله في هذا المعرض.

أعمال الفنان "محمود شبر " Mahmood Shubbar)) في غاليري ارت سبيس (Artspace Hamra )ويستمر حتى 2 تشرين الثاني 2015

ضحى عبدالرؤوف المل

تم نشره عام 2015 في جريدة اللواء