استراتيجية نحتية شاعرية تقود الفكر نحو تأمل الحركة
ضحى عبدالرؤوف المل
تتقمص منحوتات الفنان "أكسل كاسيل" (Axel Von Cassel) بأبعادها المحورية المعنى والمبنى النحتي لكلمات الشاعر "ميشال بوتور"، وفق استراتيجية نحتية شاعرية تقود الفكر نحو تأمل الحركة والسكون، بفلسفة مغمسة بوعي انتظمت معه المعرفة الحسية بالمادة ومقوماتها، وقدرتها على الاحتفاظ بمكنونها الذي يكتشفه "أكسل كاسيل" عبر فن النحت المستوحى من كلمات شاعر غاص في لجج الجمال والعمق الإنساني، بموضوعية وتجريد تأملي يبعث على استنتاج فلسفة حياتية تتماثل مع الكلمة، فتؤثر بصريًا على النفس، مما يعكس الفهم التشكيلي لحركة الخطوط في كل منحوتة تعددت تأويلاتها بوعي إبداعي يتطابق مع كلمات شاعر نحت المعنى من خلال كلمة، ونحات منح المادة روح كلمة هي انعكاس شاعري للفن والجمال.
افتراضات مسطحة ومقعرة يميل إليها الفنان "أكسل كاسيل" في التفافاته النحتية، وبلولبية أحيانًا ليظهر قيمة العاطفة في مادة الخشب، ومعانيها النحتية المترابطة مع بعضها البعض، كقصيدة أرادها أن تمتزج مع أعماله برؤية جمالية تهدف إلى خلق مزايا شاعرية في نحت انسجم مع المادة والحركة، والرؤية وفتح للحوارات ميزة ذات قواسم مشتركة مع نواحي الوجود الأنثوي خاصة، وأن بمزج تناغمي يتصف بالدائرية والعامودية والنقاط المشتركة بينهما، وكأن المنحوتة هي المراحل التطورية لشرنقة الحياة التي تولد من التفافتها الثانوية، ومراحل ولادة تتوافق مع شمولية الفن وجمال الكلمة، والأحاسيس العاطفية والتفكر العقلاني، والقوى الغيبية الماورائية التي يترك لها معادلات قيمة الفراغ في منحوتاته ووشائجها العاطفية التي تثير حميمية الرائي.
تفكر وتأمل في طبيعة الأشياء التي توحي بها المنحوتات، وبتطابق كلي بين حركة المنحوتة وحركة الكلمة الشعرية، ربما أراد لها الفنان "أكسل كاسيل" أن تتواءم كشرنقة مع قصائد "ميشال بوتور" لتكون بمثابة ترجمة بصرية شاعرية ذات صيغة شعرية تحنو عاطفيًا على الخطوط وأبعادها الثلاثية التي تهدف إلى خلق غايات نحتية تتعلق بفلسفة إنسانية تترجم الوجود من خلال منحوتة فكرية لها روحانيتها المنبثقة من دفء المادة وبرودتها، وجماليتها المشبعة بالحياة. إذ تتغلغل الخطوط الداخلية مع الخارجية برقة وإيقاع، وتناغم يتسق معه البراهين النحتية من خلال التصاميم المسبقة التي يعتمد عليها، لتكون مسودات ضمن أعماله التي ينقش عليها نظرياته في النحت والشعر معًا.
يعزز الفنان "أكسل كاسيل" مسيرة الخطوط بزركشة أو بتعرجات إيحائية لها تكوينها الممتد من طبيعة الحياة إلى ما وراءها بغيبية يستمد دلالاتها من الوجود الإنساني وبراهينه الحركية، وأبعاده الثلاثية وفراغاته المنطقية التي تؤطر المعنى التخيلي والواقعي، وبأسس بنائية لها نظرياتها التي تعتمد على التوازن، والتناغم والتضاد بين الأشكال وأوزانها المتجردة من التعقيدات بل! تتميز بالشفافية وبمؤثرات تدل على عمق العلاقة بين الشكل والمعنى، والداخل والخارج، والإنسان والوجود، وما إلى ذلك من المعاني المتدثرة بمنطق نحتي له منهجه الخاص في خلق الرؤية الفنية والتوحد معها.
تعبير فني جمالي ذو إحساس شاعري مملوء بالوعي الحسي والحركة التي تنبئ عن الوجود وقيمته الساكنة في الأشياء من حولنا، كالطبيعة، والحجارة والخشب، والوسائل الذاتية التي تسخر بقدراتها الإبداعية ترجمات تختلف بطبيعتها. إلا أنها تنتمي للإنسان بكل أبعاده وروحانيته ومادته، موضوعيته وذاتيته موته وولادته وقدرته على التجدد، وبفيض جمالي له تكتيكه الفني المؤدي إلى التحرر بصريًا من المادة الجافة إلى تلك التي تترك عليها يد الإنسان بصمتها الفنية وبشاعرية لها آفاقها الرحبة المثيرة للذهن الباحث عن لغة الطبيعة والإنسان والمشترك بينهما، وإن بمنحوتة أو غصن شجرة تأثر بالعوامل البيولوجية، ونحتته العوامل البيئية بما يتقارب مع الإيحاءات النفسية التي نقرأ من خلالها كل تكوين فني غني بالمعنى الوجودي.
ضحى عبد الرؤوف المل
تم نشره عام 2015 في جريدة اللواء