نحو الغياب...

رسائل من قلبي إليك

القلوب التي تنأى باكية على عروشها تفنى دون زمن يعيدها بخفة إلى الحياة. إذ يأتي الشتاء كما لو أننا نلوب من صقيع في ضلوع مثقوبة مع لوعة ماضٍ غفا، ودفع الشموس نحو الغياب. ما زلت أجفف الشك الذي غادر اليقين منذ عهد فوضى الصبا الذي يرائي الكهولة ويتركها غير آبهة بفجوات الزمن الباكي، فمن عمق العمر اشتكي هذيانًا يطفئ تلك الذكريات، فلا هبوب عاصفة استودعها الحب الذي يكمن في الفؤاد، ولا انتظارات مغموسة بتأوهات خالية من حنو غاص في لهاث أضعف القلب اليائس الغافل العاشق المضلل لقصيدة مرت بها عواصف ربيع أذهل الغياب. فمتى أضلل براعم الشتاء لتنمو قبل موت الفراشات؟...

حبيبي...

ذاك الحبيب بين نيران الهوى توأمني مع الأحلام، مع واقع ما زلت أنتظره، مع وهم يتقافز كلما لاح الزمان باسما من فوهة الآلام. هكذا اخترت الحياة، هكذا طويتها لتكون بين يديك هديتي، لأسدّ بها جموح الروح المنسلة من جسد ارتجف قبل عواصف الشتاء. لكنني لن أبرح العمر قبل أن أضم الوجه الذي غاب، وكمنت له في رسائل حب ادخرتها، لتكون الأضداد بلاغة أحاسيس تمسح بمعانيها غفلة كلمة استدرجتها، لتكون حروفها محاطة ببهجة لا إثم فيها، ولا خطيئة تنهض مع صهيل هب من بين الحواس، ولا دنيا ثاملة متعطشة للبقاء، ولا خطوة افترست دروب مكان ماكر ما زال يحمل نبض الحياة.

حبيبي...

حيوات في سرحة الخيال، وأرواح في برزخ الخطايا تتطهر من جحيم الانتظار، وألوهية حب أفلاطوني مرسوم في الفراغ يتخاطف العدم كلما اختلطت وجوه الحقيقة أو انهمرت أكاذيب الأحلام، كأنما الزمان يرائيني ويعيدني إلى هناك حيث النار تصطلي، والصلوات في محراب فجر تظلله عتمة الحياة، والأمطار تفور بعد غليان، والثواني ملفعة بأقنعة الضجر تمامًا كما رسمتها تتمايل عقاربها السكرى، كلما تذمّر القلب أو فاضت الروح واشتدّ الهذيان.

حبيبي...

انتشيت من غروب اتخذ ملامح شروق توهج وتسربت منه الأحلام، وحين ارتحل الظل نكست بصري لأمدّ الوجود بكلمات تعيدني إلى الذات بل! إلى عتبات مفردات عشق أسعى لفك لغزها، لأتوغل في الفؤاد الذي يطهو الحب على نار غشاوة الآلام، كيف هي غيبوبتي؟ كيف هي يقظتي؟ كيف هي الأيام المتسربلة بوحشة لا تنفك تسابق الشموس التي دفنتها بين لجج الحياة؟ كيف هي ورود الضمائر الرهينة لحب هو حقيقة الوجود والفناء؟

ضحى عبدالرؤوف المل

تم نشرها في جريدة الإنشاء طرابلس عام 2015

ومن كتاب لحظة غرام دار الجندي مصر

إشراقة الغياب

ضحى عبدالرؤوف المل

في عيون الليل، حكايا تتكسر

على شواطئ الشتاء، حيث لا أثر

من بين ندف الثلج، غابت الأسئلة

وأطيافك تسللت بين الجمر

أرسمك في السماء، أكتبك في الريح

أحاور الصمت، أواسي الحزن الكبير

يا قلبي المكسور بين دجى الفجر

كيف أروي الغياب؟ كيف أستجدي السهر؟

أتراني في الغياب، أتيتُ إليك؟

أم أني في لوعة الوجد، أضأتُ الطريق؟

كلما أمسك الزمان بحبري المكسور

أكتبُك، أنت القصيدة التي لم تكتمل

أنت الفجر الذي لا يتوقف عن الشروق

أنت الغياب الذي يملأ قلبي ويغني الصمت

كيف أقاوم الرياح التي تعصف بالأمان؟

كيف أحتمل المطر الذي لا يتوقف عن الحزن؟

وأنت، وجهكِ بين الغيوم يتدفق

تسحبني إلى حيث تذهب الحقول بلا نهايات

أهيم بك في فراغٍ من الكلمات

وفي صمتٍ أشتاق إليك أكثر

تسير في مسارات الروح

تسافر في أفقٍ بعيدٍ… بلا حدود

يا ورد الشتاء، يا ضوءَ الغياب

كيف لي أن أعود دون أن تلامسني؟

كيف لي أن أنسى طيفكِ الذي يذوب في الفضاء؟

كيف لي أن أظل كما كنت؟

أنت اللامكان، وأنت الزمان الذي لا ينتهي

.