القصيدة فعلٌ تشاركي بين الشاعر والقارئ
حوار خاص مع الأديب والشاعر نزار دندش
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
يفيض الأدب فتتنوع مفاهيمه، إلا أنه يفتن الكاتب ويجعله في حالة وجدانية وعقلانية تربطه بالكتابة، وكأنه يحيا بين حروفه وأفكاره المترنمة. إن ضمن إيقاع الشعر وافتتان الوزن والمعنى، وحتى في الرواية والبناء الذي يشيده من فكرة يبدأ منها، بلغة إنسانية محملة بالجمال والرقي. الشاعر والروائي "نزار دندش" كتب الشعر بتحرر مفردة لعبت دورها في بناء قصيدة خصبة، وظفها في إظهار عاطفة تكشف عن مخزون شاعر يتمتع بجمالية الصورة وبتحليل سيميائي ترجمها من خلال الإحساس الفني، وبأسلوب روائي ذي خصائص تعكس بيئة الإنسان، كما تعكس تمسكه ببنية الرواية ومتانة حبكتها. وما بين الشعر والرواية، توظيف فني مميز جعلنا نحاور الشاعر والروائي "نزار دندش" لنستوضح مفاهيمه الأدبية الخاصة بمعرفته وأسلوبه المنسجم مع قصائده ورواياته، ولنغوص في أعماق ذاته، وبموضوعية الحوار الذي يكشف لنا عن أبعاد كتبه الشعرية والروائية، منها ديوان "سلاف الهوى"، ديوان "وفي البدء كان الغزل"، رواية "الهوية الثالثة"، "ليلى وليالي"، "حوار في الممنوعات"، و"الفكر نحو ثورة في ثقافتنا". وفي الحوار معه بقية.
_ هل تحاول الارتقاء بالحبيبة لتجعل الضاد عاجزة أمامها أم أن البعد البلاغي في القصيدة يتأوَّم مع الحبيبة والضاد؟
اللغة ريشة يرسم بها الشاعر وجه حبيبته، ويلوِّنها. وفي حالات الهيام المتمادي، لا تعود الألوان كافية لوصف تفاعل النيض والأحاسيس مع محاسن الحبيبة وخصائلها. فجمال الحبيبة أبلغ من كل اللغات في نظر حبيبها، أكانت لغة الضاد أم غيرها...
- نزار دندش: "وفي البدء كان الغزل". أين الحب ومكامن النهايات؟
منذ كان للإنسان قلب ينبض، كان الحب والعشق وكان الغزل، حتى قبل أن تغري حواء آدم بالتفاحة. ثم تطورت أدوات التواصل والتعبير وبقي الغزل... وتطورت اللغات وتشعبت معانيها، فوصلت إلى لغة الشعر وبلغ الغزل قمته. ومنذ ذلك الحين صار الشعر لغة القلوب المقدسة، وسوف يبقى كذلك إلى أن يتوقف آخر قلبٍ عن النبض على هذه الأرض.
- ديوان جديد "وفي البدء كان الغزل". ماذا تخبرنا عنه؟
"وفي البدء كان الغزل" هو ديوان قصائد موزونة لكن بلغةٍ عصرية سهلة ومألوفة. فيه خمس وأربعون قصيدة أغلبها في الغزل، مع أنه يحتوي على قصائد لمدنٍ لبنانية وأخرى عن النرجيلة و"البوتوكس"، وقصيدة رثاء واحدة. وهناك قصائد في الحكم. بطلة القصائد "نانا"، هي اختصار لنون النسوة وميزاتها ممهورة بأفعال التفضيل وصيغة المبالغة. في هذا الديوان سيرة عاشق يترجح بين وعي المتذوق للجمال ولاوعي العاشق الولهان الذي يتخبط في عواطفه الجياشة. لن أقول في ديواني الكثير فمقدمة الشاعر جورج شكور كانت كافية ووافية. ويبقى للقارئ المتذوق أن يكتب مقدمته.
- تؤجج الإيقاع الداخلي للقصيدة بحس يثير الجمال ويرسم دهشة الكلمة عند القارئ والمستمع. بمن تتأثر ومن هي قصيدة نزار دندش؟
قصيدة نزار دندش هي قصيدته وحسب. لقد تأثرت بالشعر العربي الكلاسيكي منذ طفولتي، وكان هناك شعراء جذبني جمال قصائدهم وجذبتني موسيقاها أكثر من غيرها، مثل المتنبي وأحمد شوقي والأخطل الصغير وغيرهم. لكن القصيدة تبقى ممهورة بختم صاحبها الوجداني، فالشعر موسيقى وكلمات تؤلفها المشاعر والصورة الشعرية لا تُرسم بالحروف وحدها بل وأيضًا بالموسيقى ونبض الكلمات. إن أجمل الكلمات لا تصنع قصيدة على الإطلاق بل تصنع كلامًا جميلاً وحسب. والقصيدة فعلٌ تشاركي بين الشاعر والقارئ الذي يقرأها بالطريقة التي تناسبه وبالروحية التي تناسب روحه.
- منارة الكون يمحو الجهل... متى نمحو الجهل في من لم يعِ قيمة القصيدة الموزونة؟
من لا يتذوق القصيدة الموزونة ليس جاهلاً، لكن من يهاجمها ليس حداثويًا بالضرورة. فالشعر، كما ذكرت، موسيقى خارجية يجب أن تتناغم مع الموسيقى الداخلية للمتلقي. فقد يعجب القارئ بهذا النمط أو ذاك وقد لا يعجب. أما الذين يهاجمون الشعر الموزون تحت ستار الحداثة فقد يفعلون ذلك عن سوء نية أحيانًا أو لقصور فيهم وعجز عن نظمه. أنا لا أفاضل ولا أنحاز لنمطٍ معينٍ مع أنني أصدّر الشعر الموزون، فالشعر يدلّل على نفسه كيفما كُتِب واللاشعر أيضًا يدل على نفسه ولو خادع. ويبقى أن نقول إن الكلام الجميل جمال ولو لم يُسمَّ شعرًا، فلماذا نفتعل المعارك الجانبية على جبهة الشعر؟!
- تآلف التعابير تنسجم مع الأوزان برقة موسيقية جمعت بين اللحن والأوزان الشعرية حتى للقارئ العادي. من أين تنبع هذه الرؤى والإيقاعات المرتسمة مع المفردة أو الوزن؟
الأوزان الشعرية هي نوتات موسيقية، فلكل بحر موسيقاه. وقد نلاحظ أن هذا الشاعر ينسجم مع موسيقى هذا البحر أو ذاك تبعًا لمزاجه وحالته النفسية، بل وتبعًا لشخصيته. أنا لا أتخيل وجود شعر بدون موسيقى، وبخاصة في مجال الغزل ونقل الرسائل من روح إلى روح بلغة الصورة الشعرية الموحية والموسيقى المؤثرة. وبقدرما يكون الشعر صادقًا، معبّرًا عن صدق المشاعر، بقدر ما يكون منسجمًا مع شاعريته فيؤدي بالتالي رسالته بنجاح.
- جميعنا ندرك أن أكثر الأنواع الشعرية هرمية هي المرتبطة بالأوزان المتآلفة، أي تلك التي تشد بعضها البعض. كان الشعر معيار قوة وفصاحة في تاريخ العرب. ما رأيك بهذا؟
كان الشعر معيار قوة وفصاحة في تاريخ العرب. كان الشاعر ناطقًا باسم القبيلة، فالفصاحة محترمة ولها مكانتها التي ما زالت تحتفظ بجزء منها حتى اليوم. وإذا كان شعراء العرب في الماضي ينطقون الشعر بالسجية فيأتي موزونًا، فإن الأوزان تدرس اليوم في المدارس والمعاهد وكتب العروض تملأ المكتبات. ليس كل كاتب شاعرًا ولو أحب أن يكون، ولا يمكن لأي كان أن يكتب شعرًا موزونًا ولو درس ذلك، لكن رغبة الكثيرين في أن يكونوا شعراء دفعتهم إلى كتابة أنواعٍ أخرى من الشعر أكثر سهولة وطواعية. إذا كان السؤال يعني ذلك، فالجواب نعم، لأن الشعر الموزون هو الأصعب.
- تستجوب وتستنطق، يستمطر مفردات تحتاج لفكر دؤوب يدرك المعنى المبطن. وقوة الفعل، ذكرتني بالمفردة القرآنية: "واصطبر". ما رأيك بهذا الكلام؟
القرآن الكريم ليس مثل بلاغته بلاغة، وما من قارئ تمعّن إلا وتأثر بها. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن استقامة الوزن بحد ذاتها تفرض علينا استنطاق اللغة ومداعبتها واستخراج التعابير الأجمل منها. وهذه الطريقة محببة لدى القارئ، لذلك يسعى المتمكنون من اللغة إلى الغوص في هذا المجال.
- نزار دندش والانتقال إلى العمل الروائي، لماذا؟
كتابة الرواية هي، باعتقادي، واجب كل إنسان قادر على فعل ذلك. ففي الرواية يعكس الروائي ما تكون في إدراكه من رؤى للعالم الخارجي بأكمله، الاجتماعي منه والطبيعي. كتابة الشعر أقرب إلى الأنانية، لأن كاتب الشعر لا يكتب إلا ما تمليه عليه أحاسيسه، أما كتابة الرواية ففي بعض جوانبها رسالة وواجب يؤديه الكاتب تجاه مجتمعه وتجاه الإنسانية. وإذا كان الشعر قراءةً للأحاسيس، فإن الرواية قراءة للواقع ولانعكاساته الموضوعية في مخيلة الروائي وفي إدراكه أيضًا.
- الشاعر فنان حسي بالدرجة الأولى. وهو إن حقق فاعلية الفعل الشاعري، يستطيع الوصول إلى مفهوم الفن بالكامل. ماذا تقول عن ذلك؟
في الفن بشكل عام (وعلى عكس العلم)، يتعاطى الفنان مع نماذج خاصة يرسمها بخياله، نماذج لا تخضع لقوانين العلم. وكلما ارتقى في ذلك، كلما لامس مستوى الإبداع. والإبداع مستويات طبعًا، فهو في مستوياته الدنيا يقتصر على مجالات محددة ومحدودة، وفي مستوياته العليا ينفتح على فضاء واسع لا حدود له. الشاعر فنان، والرسام فنان، والروائي أيضًا فنان، لكن الفرق بين هذا وذاك يبقى في الموهبة الفطرية (التي يجري تدريبها وتطويرها). وقد تكون الموهبة متعددة الأعصان. ولكي يتفوق الفنان المبدع في مجال ما، يجب أن يتفرغ له، أي أن يحصر اهتمامه فيه. أما أنا فخياري أن أتعاطى مع كل المجالات، لأنني أريد أن أتمتع بانسانيتي، وأرفض أن تحد منها حدود اختصاصات من وضع الإنسان في مدنيتنا المعاصرة.
- الشعر الموزون ينفي عناصر الفوضى، وهذه ميزة في قصائدك. ماذا عن النثر والأنواع الأخرى من الشعر؟ ما رأيك بها؟
انضباطية الشعر تعطيه بعض عناصر القوة والجمال كما أعطت الأشكال الهندسية المنتظمة جمالية للبناء في القرون الماضية، لكن ذلك يتطلب جهدًا كبيرًا من الشاعر ويتطلب بعض التفرغ. فشعراء العرب القدامى كانوا متفرغين للفصاحة والشعر. ولو أردنا اليوم أن نحصر الشعر بالموزون منه لأصبحت نسبة الشعراء إلى نسبة القراء متدنية جدًا. الظروف مختلفة اليوم، الحياة تجري بوتيرة أسرع، المفردات مختلفة، وأسلوب المخاطبة والتلقي مختلفان، والتنوع مطلوب. حتى النثر الجميل مطلوب. لكن من الحكمة أن نسمي الأشياء بأسمائها. فماذا يضير النثر الجميل لو أسميناه نثرًا جميلًا؟ ولماذا يصر البعض على وضعه في خانة الشعر؟!
- موسيقى النظم، وشروط الوزن، ألا تتعب الشاعر وتأخذ من لب المعنى بعض الجمال؟
بلى، صحيح. الشروط التي يصرون على مراعاتها في نظم الشعر الموزون تحدُّ من الحرية في إيصال كامل الفكرة وكامل المعنى، مع أنها لا تحدُّ من جمالية النص الشعري. هذه الشروط لا تحرم النص جماليته بل تحد من حركة الشاعر التعبيرية، ومعظم الشعراء الكبار في الماضي قد اضطروا إلى مسايرة الوزن على حساب المعنى.
- العمل الروائي يحتاج لرؤية أبعد. فالروائي هو مخرج ومصور ومهندس ديكور. ما الجامع المشترك بين الرواية والقصيدة؟
الفضاء الروائي هو الأشمل برأيي، لأن الكون فيه متحرك ومفتوح. أحداث الرواية لا حدود لها لا في الزمان ولا في المكان، وأبطالها كُثُرٌ، لكن الرواة أكثر انضباطًا وضبطًا للخيال. فالشاعر يقارن حبيبته بالأقمار ويحملها على أجنحة الغيم ويشبهها بالنجوم، أما الروائي فلا يتمتع بحرية استعمال صيغ المبالغة التي يستعملها الشاعر. قراء الشعر عبارة عن نخبة محدودة، أما قراء الرواية فهم كل الناس. الرواية تتعاطى مع نماذج حياتية، بينما تتعاطى القصيدة مع نماذج وجدانية، مع أن هناك قصائد أصيلة تكتمل فيها مواصفات القصة القصيرة.
- نزار دندش والعمر الطويل. دائمًا نتمناه لك. ماذا تقول للزمن ولجيل سيقرأ نزار الحاضر فيه والغائب عنه؟
لم يكتب لأحد قبلي البقاء ولا الخلود إلا بما ترك من إرث مقروء ومسموع. نحن لا نكتب لزمنٍ واحد ولا في زمن واحد، ومن يكتب بموضوعية تعمّر كتاباته أكثر. أما عصرنا الحاضر الذي يشهد تراجعًا للكتاب الورقي فسوف يحد من تأثير كتّاب الماضي على قراء المستقبل. أنا ضد النظريات التي تشيد كثيرًا بأفكار الماضي وتخلّدها. فالنظريات العلمية أيضًا يتجاوزها الزمن دوريًا، فكيف بالنظريات التي تتحول إلى تراثٍ فني وحسب؟ وإذا كنا قد احتفظنا بأشعار العصر الجاهلي آلاف السنين، فلا أظن أن أشعار اليوم ستبقى حيّةً مئات السنين أو حتى عشرات السنين. ويحدث أن يكتب الروائيون والشعراء لأبناء جيلهم وحسب، وهذه سلبية كبيرة، فالكاتب صاحب البصيرة يكتب للأجيال القادمة أيضًا ويتوقع التغيرات المجتمعية مع أنها سريعة جدًا. أشكرك على هذا الحوار وأشكر مجلة الفجر الجديد على المقابلة وعلى الاهتمام.
في تحليل للحوار معه
نكتشف أن الحوار مع الشاعر والروائي نزار دندش يكشف عن رؤية عميقة للكتابة والشعر، حيث يظهر بوضوح اتساع أفقه الأدبي واهتمامه بجمالية اللغة وصورة الشعر. نزار لا يعتبر الشعر مجرد تركيب كلمات موزونة بل هو فعلٌ تشاركي بين الشاعر والقارئ، مشيرًا إلى أن القصيدة تُكتب وتُقرأ بحسب الروح التي تلتقطها وتفاعل المتلقي معها. كما يوضح أن الشعر يتجاوز كونه مجرد "أدوات بلاغية"، فهو إيقاعٌ موسيقي يحمل في طياته الوجدان والعاطفة.
من خلال تصوره للشعر، يظهر اهتمامه بالجوانب الفنية مثل الإيقاع والأوزان الشعرية التي تحملها القصيدة، فالشعر عنده هو موسيقى مشاعر، والموسيقى الداخلية للكلمات تلتقي مع الأنغام الخارجية للأوزان. هذا الوعي العميق في تكوين القصيدة يجعله يرفع الشعر إلى مستوى الفن المتكامل الذي يُحاكي الروح.
بالإضافة إلى ذلك، في إجاباته حول تأثير الشعر الكلاسيكي وتفوقه على الحداثة في أحيان كثيرة، ينقل نزار شعورًا بالتقدير العميق للتقاليد الشعرية العربية، ولكنه في نفس الوقت لا يتنكر لوجود طرق جديدة ومرنة للشعر كما في النثر أو الشعر الحر. هو يؤمن أن الشعر ليس حكرًا على شكلٍ واحد، وإنما يمكن أن يتعدد بتنوع الأزمنة والأنماط الأدبية.
فيما يخص عمله الروائي، يظهر نزار دندش نظرة فلسفية عن الكتابة التي تجسد انعكاسات الواقع الاجتماعي والنفسي، فهو يرى أن الرواية تتمتع بقدرة أوسع من الشعر على التعبير عن التنوع البشري. كما يشير إلى أن الرواية هي أداة لإيصال رسائل اجتماعية وإنسانية أعمق مقارنة بالشعر، إذ أن الشاعر يتكلم عن ذاته بينما الروائي يتناول الحياة بكافة أبعادها.
أما فيما يتعلق بمستقبل الأدب، يعبر نزار عن قلقه من تراجع الكتاب الورقي في عصر التكنولوجيا، لكنه في نفس الوقت يبرر أهمية الكتابة ذات القيمة الفنية، التي تبقى مؤثرة رغم تحولات العصر.
بشكل عام، نزار دندش يتسم بقدرة فكرية عالية على ربط الفنون الأدبية بالجوانب الفلسفية والتاريخية للأدب. هو ليس مجرد شاعر مبدع بل هو فنان يحترم التاريخ الأدبي ويواكب التغيرات المعاصرة دون التفريط في الجمالية الشعرية.