يا بني...

لا تفقد في الدنيا بهجة ثغر يناديك يا أخي، ولا تنظر إلى أختك باحتقار، فالنظرات عبارات مخنوقة تحمل مشاعر مريرة إذا كانت مسمومة بالحقد. فطيب أنفاسك، وانفخ في كفيك، ووشوشات طفولة جمعتكما في رحم حياة أمسكتهما بيدها كي تلين المحبة وتضفي عليكما أجنحتها الرقراقة، لترتفعا إلى الله بصدق ومغفرة...

يا بني...

لا تصب أختك بالخذلان، لأنّها إن فقدت زوجًا، وجدت أخًا يساندها في المسرات والأحزان، وإن مات الأهل، وانصرف الأصدقاء من حولها، كنت أنت الأب والاخ والولد. فلا تقطع صلة رحم موصولة بالتسامح والغفران، واعتذر إن أخطأت، لأن الاعتذار شجاعة وجمال وقدرة نفس لا يستطيعها الجبان...

يا بني...

لا تفقد قيمة وجودك في الحياة باستئصال أواصر القربى ولا تحذف أختك من حضورها فيك، لأنك منها وهي منك، فإنكما الدم الواحد الذي جرى في شرايين وأوردة القلب الذي جمعكما وجعلكما أخًا وأختًا. فانظر إلى أختك كالثريا وارفعها، لترتفع أنت خلقًا وتضيء لها سنين عمرها إن أظلمت، أو إن كبُرَت وشاخ عمرها بعد طفولة جمعت رحيقها معك...

يا بني...

لا تترك لعثرات النفس زلة لسان تسيء لمن ترعى أخوتها وتصون كرامتها وتجعلها في ركن مكين، لتكون آمنة من غدر قد يصيبها أو من فحش قول يجرح أنوثتها. ويتركها ذبيحة أخٍ لم يرأف بها ولم يعالج سوء فهم أهانها. وامسك لسانك، بل اقطعه إن حاول مسّ أختك بجهالة إبليس لعين، واستغفر الله، واسترد كل حب سلبته من عثرة أو غضب أو استنكار أليم...

يا بني...

إن كرهت فعلًا من أفعال أخت غيورة، فانظر إليها بيسر، وتصدق ببسمة لا يمحوها الحزن، وشذب أخطاء الحياة بنعومة، واربط على قلبك بالحلم، واجعلها قربك. لأنك الرجل القويم والمسؤول عنها يوم يسأل الله الناس يوم الدين. فيا بني، جاهد في الحفاظ على أختك، لأنها كأم تحن إلى طفلها الوليد، بل كطفلة تبحث عن مؤنس في دنياها لا تستطيع فراقها، لأن الدم يؤلف بين جسدين جمعهما رحم لا يرضى إلا برضا الأم التي أنجبت ولديها، وتبكي إن أساء كل منهما إليها...

يا بني...

لا تسخر من أختك إن لفها القبح شكلًا، واترك لجمالها فسحة من خيال، وامنحها كلمة طيبة تفك عنها تغيرات كل سنة مضت، وهي تؤازر عائلتها لتكون في مأمن من احتياجات الحياة الصعبة. فإن لم تستطع مساندتها بالمال، ساندها بالسؤدد والمودة والتراحم والزيارات التي تفاجئ سكونها بعطر أخ حنون يملأ عليها الحياة...

يا بني...

احذر من مقارنة الأخت بالزوجة، لأن في ذلك نفورًا لقيم الحياة. فالزوجة نعمة يوهبها الله عز وجل للرجل لتكون بمثابة نفس تمتزج بنفس تحمل عبق المودة والرحمة. فاعن نفسك على التوافق بين زوجة وأخت وبين أخ وزوج، ولا تكن فظًا غاضبًا حاسدًا غيورًا، لأن أدوار الحياة بيد القدر، والله يقلب الأقدار ليتذوق كل منا كأس الظلم والحسرة والندامة، أو كأس الرضا والتآلف والمودة. فاحذر يا بني من التذبذب بين هذه المتناقضات ومعانيها القادرة على جلب التعاسة أو الرضا...

يا بني...

لا تكن جبارًا متسلطًا، ولا تصنع من نفسك عظمة فارغة، ولا تكن كالقاضي الذي لا يحمل ميزان العدل بين يديه بل يبحث عنه بين أكوام الحقائق، فلا يجد إلا الصحف المغلقة التي يعجز عن فتحها لأنه يخافها، بل ويخاف الحقائق فيها لأنها تحفظ كل حق من اندثار. وتبقى قيد اليد الأمينة التي يحفظها القدر حتى حين. فلا تراشق أختك بحجارة عدل مزيفة، بل ضعها بين يديك أمانة، لأنها الأخت التي تحمل خلايا دم كُتب عليها الأخوة تكوينًا روحيًا وجسديًا. وحفاظها حق وواجب إيماني.

يا بني...

قيمة الإنسان بما يملك من خلق وشهامة نفس. لا تتضجر ولا تتأفف من فوارق الحياة، فتحرر من الانشغال بتقييم الأخوة وفق درجات اجتماعية يلفها النفاق، واهبط من عليائك قبل أن تسقط عن صراط الأخوة نادمًا خجلاً مما قدمته لأختك في الحياة. فإن قرأت كلماتي يا بني، ارحم قلبي وارضَ بعد صحوة، وأطع الله الذي له ملك الأرض والسماوات...

ضحى عبدالرؤوف المل

dohamol@hotmail.com

تم نشره في جريدة الإنشاء طرابلس عام 2015