شخصيتان هاربتان من ملصق إعلاني.
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في رواية "الطلياني" للروائي شكري المبخوتي.
يسعى شكري المبخوتي في روايته "الطلياني" إلى التفرد الزمني المرتبط بزمنين سياسيين، لكل منهما ميزته أو جيله، لأن كل جيل يمحو الجيل الآخر، ويترك أثره عبر ماض يتمرد فيه من يتمرد، وكأن لوجود المرأتين صفة وطنية هي طبيعة الأشخاص الذين يرتبط مصيرهم بمصير وطن يتخبط شعبه بين الأيديولوجيات الخارجية، والمفاهيم الوطنية الثابتة في مجتمعات لا تقبل أي تغيير في عاداتها وسلوكياتها التي تتسلسل مع السنين من خلال أشخاص نرتبط معهم بالدم والوحدة والفكر الواحد.
يحاول" الطلياني" ترك البطل يتخبط مع الأزمنة دون فرض رأيه محاولا ترك القارئ يكتشف استنتاجاته المخفية بين ثنايا فصول روايته التي لم تخل من إيروتيكية واضحة تهدف إلى كشف الخلل النفسي الذي لا نشعر به كأفراد مجتمع نسير خلف معتقدات لا ندرك سببها، لأننا لا نعرف ماهية الشخوص التي تدعو إلى أفكار قد نتقبلها، أو نرفضها، ليصبح الوطن كعائلة الطلياني، فيه من مختلف الأفكار ومختلف الطبائع المغموسة بالهموم أو بالفرح أو بالغباء أو بالذكاء، وفي كل الأحوال هم أفراد رواية جمعتهم الأحداث الواحدة التي تمتد من بورقيبة إلى زين العابدين بن علي، ومدى التشابه السياسي الذي تجمعه صفة واحدة هي الأفراد الذين يحاولون تحقيق الذات بموضوعية قد تصبح كالمرض العضال الذي لا شفاء منه.
أداة جزم غامضة في بداية تتساءل عن وقار الحاج محمود، والحبة السوداء الفاسدة في البيدر، وأسلوب روائي يجرف القارئ نحو أطراف المصطلحات الروائية التي يستخدمها لحبك المشهد بلغة اجتماعية، وعمق الغموض الذي يلف الحدث حتى الوصول إلى نهايته، ليستجلي الحقيقة من الأحداث المتتالية بسرد تتفاعل معه الأفكار المخبوءة في النفس، وكأنه ينبش من التاريخ نفسه مقارنات بين الجيل الأول في تونس والجيل الثاني والثالث، ليضع الطلياني في الميزان مع نساء كن كالوطن عبر الأجيال المتعاقبة، وكالمجتمعات التي تبحث عن انتفاضات يصعب القيام بها، وتحاشيها بحرص درامي ذي مشاهد مبنية على وقائع شيدها ببساطة تتميز بالإدراك المضموني، وتشفير النص، ليكون بمثابة تاريخ يعيد من خلاله المبخوتي توضيح الرؤية، وبداية أزمنة رافقها وانتقدها، بل أصبح كماض ميت لا يستطيع محاكمة الناس من خلاله، أو إعادته لتصحيح الأخطاء التي كان يصعب فهمها، لأنها كطفل صغير نما بين جماعة تأثر بها وبأفعالها، ولم يدرك قيمة أصغر الأحداث في حياته إلا بعد فوات الأوان بل كأنه أصيب بالزهايمر نتيجة تراكم الذكريات، وحرمانه من أدق التفاصيل التي تكونت بفعل الافكار الاجتماعية والسياسية التي تفرض نفسها في حياة الفرد ولا سيما الإنسان العربي .
يسعى المبخوتي من خلال روايته هذه إلى وضع الحقائق المشفرة في سلوكيات شخوصه التي ترمز إلى التكوين السياسي في الوطن الذي يسعى الجميع إلى تطويره ووضعه بعيدا عن الأجندات السياسية والأفكار المتوارثة أو التبعية العقائدية التي يخلطها مع تركيبة الأحداث السياسية الواقعية التي جرت في الماضي والحاضر، لتكوين صورة معاصرة لمستقبل أمة ربما في النهاية هي الطلياني الذي كلما استعاد الذاكرة توصل إلى مخزون مخبوء أدركه بعد فوات الأوان، وربما ليحيا ضمن حياة اعتزل فيها كل التفاصيل إلى دفنها في البعد الزمني، أو في بيت لا يسكنه سواه، ليكون بمثابة جدران تحفظ عهود الإنسان الذي يشهد على فترات مهمة في التاريخ.
الطلياني ليست رواية تقليدية ولا معاصرة، هي رؤية مبسطة لواقع دفع المبخوتي فواتيره من المنطق الروائي أو الجدلي إن صح الحق، لأن الكأس المهشمة التي سعى إلى لملمتها متحدثا عن بداية الثورة ضد نظام بورقيبة، فهل يحاول المبخوتي انتقاد الثورات العربية التي أطاحت أيضا بزين العابدين بن علي وتقاليد ربطها بالعائلة، وتأثيراتها على سلوك الفرد، وربما أراد الإيحاء لتفاصيل المجتمع السياسي والتنظيمات السرية في بدايات ضمت إليها عبدالناصر، والتلميذة المتمردة التي بدت كأنها من أفراد الانتفاضات التي لم نر مثلها في الحاضر، ولكنها في نهاية الأمر اختارت لها وجودا لا يفرضه عليها أحد، إنما باستبعاد نفسها عن المجتمع العربي، لتنخرط في زواج غير متكافئ من رجل يكبرها في العمر مع الحفاظ على المبادئ في السيطرة لإبراز الذات .
سرد ذاتي بموضوعية، وضعها في نسيج السياق الروائي بنمو تصاعدي ترسخ في منطقية الحلول المبنية على تفاعل الشخوص مع بعضها منتقدا بأسلوب غير مباشر مناهج التعليم والفكر السياسي والصحافة، ولكن ببعد استبطاني يهدف إلى بلورة القناعات التي يتمتع بها المبخوتي ضمن شخصية الطلياني في توأمة شعر بها المتلقي تحت الكواليس، وهذا نوع من التعريف بفترة زمنية بحث عنها المبخوتي، وعايشها، لتكون الفكرة الروائية والبذرة أو النواة للانطلاق مع امرأتين في مغامرة تؤدي إلى ازدواجية، وموت وجداني يتشابه مع قناعة الشعب العربي المتأثر بالفكر الغربي، فهو المعجب به، والرافض له في آن، فهل استطاع المبخوتي إتمام روايته دون رسم مساحة احتفظ بها ليكون الطلياني هو الرمز للفكرة الأولى؟
تثقيف أيديولوجي، ومناوشات فكرية وحركة طلابية تقودها أحيانا فيلسوفة خطيرة، وانضباط في اختيار المصطلحات الروائية المؤدية إلى زرع خصوصيات تتواجد في جيلين من القراء، وربما ثلاثة، لكنها تتنوع وتختلف تبعا للأيديولوجيات بمجمل معانيها، ليؤثر على اتجاهات السرد من البداية حتى ما قبل النهاية، لتنفصل الحبكة، ونكتشف أن العودة إلى ذكريات الطفولة هي التي تدفع بالكثير من القادة والنشطاء السياسيين نحو الانفعالات أو العقلانية أو الأبجديات المرسومة لهم في الحدث الحياتي بشكل عام ، ولكن يبقى السؤال: هل للأوطان طفولة، وذاكرة نستطيع من خلالها رؤية الخلل النفسي الذي من خلاله نستطيع إعادة تكوينها، أو بنائها من جديد؟
Doha El Mol