حراك شعبي يناجي به الفوتوغرافي "جوي حمصي" البصر الحاضر

ضحى عبدالرؤوف المل

في عالم التصوير الفوتوغرافي، لا تقتصر الصورة على مجرد توثيق لحظات عابرة، بل تصبح نافذة تفتح أمامنا لفهم أعمق للأحداث والواقع من حولنا. أحد الفنانين الذين استطاعوا تحويل هذه اللحظات إلى قصة مرئية ذات بعد تاريخي واجتماعي هو المصور "جوي حمصي". من خلال أعماله الفوتوغرافية، يسلط الضوء على الحراك الشعبي في لبنان، مستفيدًا من قوة الصورة وقدرتها على نقل الرسائل والمشاعر بصدق وشفافية. تلتقط عدسته مشاهد حية تتنقل بين الماضي والحاضر، مسجلاً تحولات المجتمع اللبناني ومواقفه السياسية والاجتماعية. يقدم "حمصي" من خلال عدسته رؤية بصرية تلامس الوجدان، حيث تتداخل الوجوه والرموز مع الأبعاد الزمنية والمكانية لتروي قصة شعب يناضل من أجل حقوقه. في هذا السياق، يشكل معرضه الأخير محاولة لتوثيق هذه اللحظات التاريخية، لعلها تساهم في حفظ ذاكرة حية للحراك الشعبي في لبنان.

تتباين الوجوه في أعمال المصور الفوتوغرافي "جوي حمصي" (Joy Homsy) لتروي للتاريخ لحظة زمنية تتكرر فوتوغرافيًا مع وجوه إنسانية تطالب بحقوقها وتتفاعل مع الحراك الشعبي ضمن توهجات رص الصفوف في مواجهة شعبية وتظاهرات لها أبعادها ومفاهيمها وتعابيرها الخاصة التي تفصل الأزمنة عن بعضها، أو بالأحرى الماضي والحاضر. لتتجلى ضمن مستقبل تاريخه، هو تاريخ الصورة الأولى التي تم التقاطها لحراك شعبي مع اختلافات الأزمنة والأمكنة والوجوه. فتتشكل الصورة الفوتوغرافية من مساحات واسعة تحددها عدسة أرادت الاحتفاظ بالرموز والمعالم المرتبطة فوتوغرافيًا بتوازنات الأرشيف البصري المتمثل بقوة الضوء والظل، والزمن المتعلق باللحظة والوقت المؤكد على أهميته بالنسبة للمتظاهرين مع اللعب على تكنيك الضوء والتفتح والتعتيم. لإبراز ما يريده بصريًا متحديًا كل السنين التي تتباعد بأيامها وثوانيها وتتقارب بالصور والفعل الشعبي المطالب بحقوقه أو بحقوق الوطن. فهل يؤرشف "جوي حمصي" بصريًا تاريخ التحركات الشعبية في لبنان؟

يعيد الفنان "جوي حمصي" في معرضه هذا إلى الذاكرة سنوات تم تحديدها بالرموز الوطنية التي كانت آنذاك، وبالوجوه السياسية مع الاحتفاظ بقيمة الشعب وقوة حشوده في تحقيق أهداف الحراك الشعبي، ونواحيه الهادفة إلى تحقيق صور فوتوغرافية خاصة بالأرشيف التاريخي الضوئي المساعد على الاحتفاظ بموقف شعبي ذي أهمية اجتماعية أو سياسية كانت، وبإحساس فني ربما هو غامض في تلقائيته التي تبدو كأنها مجرد التقاط صورة لحراك شعبي ما وسط معالم مدينة تنطق بتاريخ الصورة، وتنطوي على معنى يعيد إلى الأذهان المواقف التي كانت حاسمة آنذاك في تاريخ لبنان.

يعتمد الفنان "جوي حمصي" على تأثيرات الضوء وموجاته في تخليد الصورة للإبقاء على حاسة ذات حدث يدونه بالوجوه وتطلعاتها وتعبيراتها التي تختزن الكثير من المعاني. وكما قيل قديمًا: "أن ترى أفضل ألف مرة من أن تسمع." وما بين البعد المخفي والبعد الظاهر، يترك "جوي حمصي" للمتلقي اكتشاف ماهية الحراك الشعبي في كل صورة، وما يريد إيصاله فوتوغرافيًا في هذه الصور التي يعرضها، وبشفافية الأبيض والأسود وبعده الزمني الخاص به مع الجودة العالية في الالتقاط رغم البساطة في التكنيك المكثف الذي نلمح من خلاله عدة رموز في صورة واحدة. فالتأليف الفوتوغرافي عند جوي توثيقي بصري يعتمد على شدة الملاحظة وحساسية الموضوع واتجاهاته السياسية أو الاجتماعية أو الوطنية أو البصرية منها. لتحقيق الغاية المتوخاة من حراك شعبي يناجي به البصر الحاضر، ليدرك العقل قيمة التاريخ في تكرار الأحداث وحفظها بصريًا. فهل استطاع "جوي حمصي" ذلك؟

عمق في الالتقاط وفكر في إظهار المعنى، ولمسة إخراج تصويري توحي بتأليف فوتوغرافي مبني على الهدوء والرزانة، وقوة اللقطة مع التوازن في الرؤية ومعناها من عدة زوايا، وببصمة تكاملت مع الحركة التي تعج بتفاصيل مختلفة أراد الاحتفاظ بها وضمن مستويات تختلف بين صورة وأخرى تستقل كل منها بالتصورات الذهنية، وما ينتج عنها من محاورة للتلقي عاكسًا الضوء في بعض منها وبتوأمة مع خط الرؤية الحاد الذي يفصل من خلاله الفكرة عن الأخرى ويتدفق شعبي لم يصيبه بالفتور في تأليف سريع يعتمد على دقة الملاحظة البصرية وأهدافها أو ماهيتها اللحظية التي تحتاج إلى نوعية إخراج صورة محدد. إذ تخضع صور الفنان "جوي حمصي" إلى معايير تصويرية تتكون من حراك شعبي يسجل لحظة هي بمثابة صراع على الحياة والوجود والحقوق.

أعمال الفنان الفوتوغرافي "جوي حمصي" (Joy Homsy) في (Galerie SV, Saifi Village de Beyrouth) وتستمر حتى 20 سبتمبر.

تم نشره في جريدة اللواء عام 2015