عالم فني تشكيلي يحاكي القهر بمعناه الفلسطيني والسوري

ضحى عبدالرؤوف المل

ما العلاقة بين مفهوم القهر بكل أحاسيسه التي تؤدي إلى وجود تتقطع فيه الرؤى في أعمال الفنان "أسامة دياب" (Oussama Diab) وبين الألوان والخطوط التي تطرح تصوراتها الحياتية المترجمة لأحداث قوية أثَّرت في الإنسان فنياً وجمالياً؟ إلا أن اللاوعي تعلق بالرؤى الواقعية، فتُترجم بلوحات الفنان "أسامة دياب" بلغة تتحايل فيها الريشة على خلق عالم فني تشكيلي يحاكي القهر بمعناه الفلسطيني والسوري معًا، أو بالأحرى الإنسان العربي المهجَّر من وطن إلى وطن بعد أن غرقت الأحلام بالواقع، وحوَّل كل شيء إلى فن قادر بمكوناته على الذوبان والتلاشي بخضوع تتداخل فيه عوالم الوعي واللاوعي. إذ يعتمد الفنان "أسامة دياب" على الشكل الهندسي المجرد برمزية لها سريالتها الغامضة التي تكشف عن أسرار إنسانية، ومعاناة تتخلق في المخيلة وتصبح صورًا من الماضي بإيحائاتها التراجيدية، وحركتها اللونية الكامنة في الدلالات المترابطة مع السياقات الإيديولوجية والخصائص الذاتية بإشكاليتها المتصلة بالفن التشكيلي وتعاطيه مع إشكالية الخلق الإبداعي وتأثره بالوجدان، وبالمحيط الواقعي بكآبته وأفراحه وأحداثه الدامية. فهل يحاول الفنان "أسامة دياب" رسم الحروب بلغة بيكاسو الفنية؟

يؤكد الفنان "أسامة دياب" في لوحاته على هلامية الجسد وأهمية الرموز في بناء النص المرئي، المقروء إيحائيًا من خلال تراكيب الخطوط واتجاهاتها المتصلة بجماليات المخيلة القادرة على تأليف المعنى المحسوس، وبمكونات فنية تؤثر على حواس المتلقي، فتبث فيه رعب الحروب وتأثيراتها حتى على مخيلة الإنسان وواقعه، وحتى ذكرياته الأليمة المعبأة بالمشاهد البصرية، المحسوسة في توجهاتها ومعالجاتها، وبنضوجها الحركي واللوني والفراغي، والخطوط المتأرجحة بين نظم وعبثية أو جوهرية التشكيل الموروث بمعالجاته التكعيبية، بتجريب بلاغي له عالمه الفني الخاص. فهل يتأثر الفنان بقضايا الشعوب ومعاناتها حتى عبر الألوان ودرجاتها وظلالها وقدرتها على التلاعب البصري؟

ألوان داكنة حركية وأخرى محايدة هي جزء من تكتيك تأليفي يتواءم مع الأشكال الهندسية التي تتجرد من رسومات تروي قصة الإنسان أو الشعوب التي تموت في الحروب عبر تاريخ يعيد نفسه، وبكلاسيكية رأيناها في العديد من الأعمال الفنية. إلا أن للفنان "أسامة دياب" بصمته الخاصة في لعبة الخطوط وانعكاساتها على الألوان، وقوانين الظل والضوء، وتأثيرات البصر في متابعة حركة رسوماته الداخلية، ليصوغ من الفكرة الحدث لوحة تستوقف بمثلثاتها ودوائرها المتلقي بعيدًا عن الأشكال الأخرى والعناصر الفنية المنسجمة مع المساحة، والمتناقضة مع الألوان ما بين مركب وحيادي، وبارد وحار وحوارات اللوحة الإيحائية. إن من حيث الأسلوب أو المضمون أو حتى زوايا الأشكال الهندسية، وقياساتها المتوازنة المساعدة في تكوين المعنى المحافظ على الأحاسيس الإنسانية التي تجابه قضايا انتهاك حقوق الإنسان، فما هي أهداف اللوحة في أعمال الفنان "أسامة دياب"؟

يبدو أن الكوابيس التهجيرية التي تنال من ابن فلسطين تنتقل معه من وطن إلى وطن، وهو ابن فلسطين المولود في سوريا واللاجئ إلى لبنان والفنان الذي يروي معاناته بريشة ولون، وسطوح يقسمها كخريطة هندسية يبحث عنها في مخيلته المتمسكة بالبلد الأم، واللوحة التي تمنحه الملجأ العطوف من قساوة الواقع المعاش في ظل الأحداث المتتالية على ابن فلسطين الذي يسبغ لوحاته بمكنون إيحائي تركيبي له أساسه البصري الذي يعصف بالحواس والوجدان. لما تمتلكه من تراجيديا كونها تكتسب نوعًا من تكعيبية خاصة وتصويرًا تعبيريا تاركًا للجسد تقطيعات هي جزء من نسبية خطوط يفصلها، ولروح كشعلة ضوء ترافق أعماله ليمد لغة البقاء بالضوء بعد كل شدة تمر على الإنسان.

معرض الفنان "أسامة دياب" (Oussama Diab) في غاليري أيّام (Galerie Ayyam) ويستمر حتى 5 تشرين الأول 2015.

تم نشره في جريدة اللواء لبنان عام 2015

برؤية أخرى

في هذا العالم المعاصر، حيث تتداخل التكنولوحيا مع الفن، ويواجه الإنسان تحديات وجودية على مستويات متعددة، يصبح الفن مرآة تتسع لآلام البشر وأحلامهم. إنه ذلك الفضاء الذي يتجاوز الحدود المادية ليعبر عن المشاعر الداخلية، عن المعاناة التي لا تُرى بالعين المجردة، لكنه يُحسّ في الصمت المليء بالتوترات والآمال المبعثرة. الفن، إذًا، ليس مجرد تقنية أو وسيلة تعبير جمالية، بل هو فعل فكري عميق؛ هو شكل من أشكال المعرفة التي تعكس أزمات الوجود، وتطرح تساؤلاته العميقة حول الواقع والمستقبل.

إن الفن التشكيلي، على وجه الخصوص، يمتلك قدرة خارقة على تجسيد التحولات الفكرية والثقافية. فما كان يُعتبر في الماضي مجرد لوحات تعبيرية عن الجمال أو الطبيعة قد أصبح اليوم ساحة مفتوحة لمناقشة قضايا الهوية، والنفي، والهجرة، والعنف، والذاكرة. من خلال خطوطه وألوانه، يُمكن للفنان أن يسلط الضوء على الجوانب المظلمة في الواقع، ويطرح أسئلة قد لا يُجَب عليها بسهولة، لكن الأهم أن يثيرها. في هذا السياق، نجد أن للفن التشكيلي قدرة فريدة على أن يكون شاهدًا صامتًا على الأحداث الكبرى التي قد تمر عبر الزمن، وهو في الوقت ذاته الصوت الذي يعبر عن أولئك الذين لا صوت لهم.

التاريخ، في عيني الفنان، لا يُكتب بالكلمات فقط، بل يُكتَب بالألوان والخطوط. تتداخل الذاكرة الجمعية للفنان مع ذاكرته الشخصية، ويمتزج الماضي بالحاضر في لوحاته. يصبح للفن دور الأرشيف، لكن ليس كأرشيف ثابت، بل كأرشيف حي، يتغير مع تغير الوعي، ويتطور مع تطور الفكر. في هذا السياق، يُظهر الفن التشكيلي قدرة فريدة على التعبير عن معاناة الإنسان من خلال رمزية الأشكال الهندسية، التي قد تُمثل الهويات المُمزقة، أو المسارات الحياتية المتشابكة، أو حتى الحروب التي لا تنتهي. كل لون، وكل خط، وكل شكل هندسي يشكل جزءًا من سردية واحدة: سردية الإنسان الذي يواجه العالم بكل تعقيداته وأحزانه وأمجاده.

لكن هذا الفن، على الرغم من قدرته على التعبير، لا يقدم دائمًا حلولًا أو إجابات واضحة. بل هو في جوهره يشبه المسافة الفاصلة بين السؤال والجواب. قد يبدو الفن في بعض الأحيان كعملية استبطان أعمق للذات الإنسانية، تلك الذات التي تحاول أن تجد معنى في وسط فوضى الوجود. هل ينجح الفنان في تقديم إجابات على أسئلة الحياة الكبرى؟ ربما لا، ولكن ما يقدمه هو نقطة انطلاق لفهم أعمق لماهية هذه الأسئلة. قد يثير الفن التساؤلات أكثر مما يقدم الإجابات، لكن في ذلك، تكمن قوته: فهو يخلق مساحة للفكر، ويتيح للمتلقي أن يطوّر تأملاته الخاصة، ويحاكي تجربته الشخصية مع العالم.

في لوحات الفنانين مثل "أسامة دياب"، تتداخل هذه الأبعاد المختلفة من الوجود: السياسي، الاجتماعي، والإنساني. الفن يصبح وسيلة للنقد، ليس فقط للواقع، بل أيضًا للذات التي تعيش هذا الواقع. تلك التراكيب المعقدة من الخطوط والألوان لا تقتصر على أن تكون مجرد أشكال جميلة؛ بل هي مدخل لفهم أعمق للإنسان، وأزماته، وأحلامه، وكيفية تعامله مع واقع قاسٍ يرفض أن يكون ثابتًا.

أحد أوجه القوة في أعمال الفنانين الملتزمين هو قدرتهم على ربط التجربة الفردية بالتجربة الجماعية. في حالة "أسامة دياب"، يتم تجسيد مفهوم القهر الفلسطيني والسوري بطريقة رمزية وجمالية، حيث تصبح الألوان والأشكال الهندسية مثل قطع الأحجية التي تسعى لاستكمال صورة الواقع. هذه الصورة، على الرغم من أنها قد تكون مشوهة، إلا أنها تعكس الحياة بكل تفاصيلها المتداخلة. فالفنان لا يسعى لتجميل الواقع، بل يُظهره كما هو، في شكله الخام، حتى وإن كان ذلك يشمل الألم والعنف والحزن.

إن الفن التشكيلي في هذا السياق يشكل دعوة للتفكير العميق حول العلاقة بين الأفراد والمجتمعات، وبين التاريخ والذاكرة، وبين التغيير والاستمرارية. إن كل لوحة هي بمثابة دعوة للمتلقي ليغوص في أعماق نفسه، ليبحث عن المعنى في بحر من الرمزية والتجريد. إن وظيفة الفن ليست فقط في تقديم الجمال، بل في إثارة الأسئلة حول الهوية، والمكان، والزمان. كما أن الفن لا يُعنى بتجميل الحقائق، بل بإظهار حقيقة الواقع كما هو، بكل تعقيداته ومفارقاته.

في النهاية، يبقى الفن، في شتى أشكاله، أداة للتعبير عن الإنسان في جميع تجاربه؛ تلك التجارب التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتحاكي آلامه وأحلامه، وتطرح تساؤلاته التي لا تنتهي. وعندما تتقاطع هذه الرؤى مع التجارب الإنسانية المختلفة، تصبح الفكرة الفنية قوة دافعة نحو التفكير، نحو التأمل، نحو فهم أعمق لماهية الوجود نفسه.

ضحى عبدالرؤوف المل