رؤية في أعمال منى يحي مرعي
ضحى عبدالرؤوف المل
تحاور الفنانة "منى يحي مرعي" (Muna Marie) الذات الإنسانية بغرابة تشكيلية متنقلة من المعنى الانفعالي إلى التفاعل الذاتي، الواعي فكرياً في بث فلسفة إنسانية متجاوزة بذلك اللغة اللونية، بعمق موضوعي وأشكال إنسانية غامضة لها دلالاتها وحيويتها البصرية لإضفاء محسوسات ذات خلجات شاعرية في روح الشكل. إذ تتضح وسيلتها التعبيرية من خلال الإيحاءات التي تستبطنها في رسوماتها المجازية ذات القدرة التخيلية، وكأنها تستنطق بذاتية تشكيلية الواقع الإنساني المتخيل، وبأبعاد استعارية تعمل على توحيدها. فالخطوط المختلفة في معاييرها واتجاهاتها هي لغة تمتلك فناً ينبض بالحياة، محاولة إخضاع شخوصها إلى تجسيد المعنى وفق العناصر الجمالية المتحررة من أكاديمية الفن التشكيلي، والمتناسبة مع بساطة الرؤية. معتمدة بذلك على الخطوط العمودية والتعرجات وحتى الانحناءات لتكتسب لوحاتها صفة إنسانية خاصة.
تعتري لوحات الفنانة "منى يحي مرعي" نوعاً من الغرابة التخيلية لا يمكن وصفها بالسريالية، إذ تتميز بتعبيرية تجريدية لها لمسة الفن المعاصر بغرض مشاطرة المتلقي بلاوعي تخيم عليه النوازع الإنسانية الداخلية أو محاورته بالشكل والخط واللون، والفراغات والظل الذي تتركه أو تمده أو تعطيه صفة الوجود المرافق للإنسان الذي تصوره جانبياً بإيحاء كلي. وكأن العين الواحدة المتعددة الجوانب هي لعبة تقنية بصرية توجهها للمتلقي. إذ تعصف ألوانها بالوجدان المتأثر بالانفعالات الشعورية العميقة الخاصة بكل لون تمنحه صفة الآخر الذي يتولد من الذات بتكرار موسيقي له إيقاعاته ونغماته المستقلة دون تميز أو تصنيف إنساني. فالإنسان هو الإنسان المجرد من ملامح الوجه سواء للأنثى أو للذكر في لوحات الفنانة "منى يحي مرعي"، فضلاً عن الحركة اللونية التي تعج بالضوء، وبالتدرجات التقنية المحاكية للإحساسات التخيلية التي تختفي في طياتها المعاني الجمالية المحسوسة دون تعقيد أو تمويه.
معاجين خاصة وسماكة لا تنفي تعرجات النفس الباحثة عن هدف تشكيلي محمل بالمعاني التي تضج بالحياة، إذ تنقلنا إلى البنية التجسدية من خلال الشكل المجرد، وكأنها تدعو المتلقي للعودة إلى الذات أو إلى استكشاف الإنسان نفسه دون تميز بين رجل وامرأة أو طفل وشيخ، رغبة منها في تحميل اللوحة لغتها الخاصة. المساعدة في إضفاء الأطر الأسلوبية الموسومة بمضمون فلسفي مغاير، ويثير دهشة المتلقي بتعقل يساهم في الكشف عن نسبة جمالية ذات قاعدة مدروسة في صيغة التضاد والتوافق اللوني أو الفراغي، وتوزيع اللون بسماكات مختلفة تكمن في خلق الجمال النابع من كينونة الإنسان أو الشخصيات التي تخوض معها رحلة الاستمتاع التجريبي مع القيم المجردة من النزاعات والصراعات التي تعكس هموم الإنسان المجادل أو المناقش أو المحقق للسلام.
شكل جمالي ذو طابع إنساني منحوت تشكيلياً باستبطان تراجيدي يرتكز على الثنائية، وعلى المحاورة القادرة على مواجهة التضاد بالتقابل، والتصور والتخييل، لتتخلص من النوازع السلبية التي يتصف بها كلا الجنسين المرأة والرجل، وبتحرر تخلصت منه بنزع الملامح الإنسانية والتآخي إيحاءً معها. وبتجريد يتصل بالتعبير الحسي والانفعالي الذي يتطلب قدرة في إظهار الاختلاف والتقارب والتماثل، وضمن الأبعاد الوجدانية المنطقية التي لا تبتعد عن المحسوس ولا تتوافق مع الملموس. فعوالم الفنانة "منى يحي مرعي" مغمورة بالظل والضوء وبتشكيل إبداعي يوقظ فينا نبضاً آخر.
ربما تختلف ماهية الألوان في لوحات الفنانة "منى مرعي"، إلا أن الأسس التخيلية والعاطفية لا تفارق توهجات اللون أو خفوته. إذ تتحكم بتعبيراتها الحركية بروح فنية عالية الحس، وبقدرة جمالية بسيطة في تطلعاتها الشكلية، كمعيار لجمال لوحتها المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالإيقاع والتكرار الذي يتطلب وعياً بمعزل عن التفاوت في الظل الذي يساعد على إثارة البصر والذهن، وعبر مفاهيم جمالية غير محددة بنسبها الذهبية لأن الفكرة الإنسانية تطغى على اللوحة. إذ ما بين الذاتية والموضوعية تجمع "منى مرعي" القيم الجمالية وفق أشكال تتوزع بانصهار شديد مع اللون وبتماسك مع خطوط المعاجين الظاهرة بصرياً وبتكثيف تعبيري مجرد من الصفة الثابتة. فالتحولات الإيقاعية توازي تدرجات اللون وطول الخط وتعرجاته أو صقل المساحة بنسب مختلفة من الوعي واللاوعي الفني، المحرك للمشاعر وفروقاتها المتناقضة بين الأشخاص المرسومة التي تكشف عن قوة الذات الإنسانية في تحقيق الجمال. وإذا كانت اللوحة تتألف من مجموعة ألوان وأشكال، فإن المعنى يتشكل تبعاً للرؤى الفلسفية العميقة التي يتمتع بها الفنان التشكيلي بنوع خاص.
معرض الفنانة "منى يحي مرعي" (Muna Marie) في غاليري اكزود الأشرفية (Exode Ashrafieh) بيروت _ لبنان.