المعنى الإنساني وأهميته في الحياة من منظور الفن التشكيلي
ضحى عبدالرؤوف المل
يتغلغل الفنان "منصور الهبر" (Mansour El Habre) في نسيج الحياة الاجتماعية، ومن خلال التقاطه للمواقف المتخيلة في انفعالاتها، يبرز سلوكياتها بشتى الوسائل الفنية التشكيلية أو غيرها، لتكون رسالة تصويرية ذات متحى جمالي في تشكيل حياة المجتمعات وسلوكيات الأفراد. وبألوان تتحدى الأسلوب الذي يترجم به كل لحظة التقطها بحساسيته الفنية القادرة على جمع الأفكار وتوزيعها وفق تعديلات جوهرية تتناسب مع المشهد المجموع في مشهد تخيلي من واقع يؤكد من خلاله على المعنى الإنساني وأهميته في الحياة من منظور الفن التشكيلي الهادف إلى بث انتقادات تتصل بتأثير الحواس البصرية على الألوان التي يتلاعب بها، تاركًا للتضاد لغة ضوئية خاصة ممزوجة بتقنية ديناميكية، وعبثية ريشة مجازية لها دلالاتها ومعانيها، وحتى عبر قصاصات الأشكال التي يمنحها لغة تصويرية تحيا عبر اللون.
لغة فنية حسية يقدمها الفنان "منصور الهبر" عبر تصويرات من الحياة ذات هواجس وخيالات لا تخلو من قسوة واقع ملموس أو سلوك يضمر تعبيرات يصوغها بالحركة المعاكسة للفعل الذي يتم تصويره، بإيحاءات وتداخلات تبعث على الحيرة في تشكيل تصويري، يتحرر من خلاله بمحسوسات تنبع من سلوكيات أفراد اختلفت حركتها في مشهدية اللوحة من حيث الاتساع والتقسيم، والمساحة، والفراغات، والشكل الجزئي والكلي، لتتكون لوحاته بتوازن تحليلي وتراكيب تصويرية مختلفة، وبتناغم وتضاد يثير الذهن ويعصف به، تاركًا العديد من علامات التعجب نحو اللون وأهدافه، وبدلالات ترتبط بالتشبيه التمثيلي أو التشبيه الفعلي أو المجازي للحياة، باتساق ودقة أسلوبية عبثية ذات اختلاجات لونية تمثل كينونة لغة تفوح بالجمال. لأن قوانين اللوحة الواعية في أعمال الفنان الهبر هي عبارة عن تصوير متأنٍ يقوم على دراسة الأشكال وتوزيعها ضمن المعنى المدروس، لتظهر عبثية المجتمعات الإنسانية دون الخروج عن الحقائق الواقعية وبتأويلات تصويرية ذات خصائص وأجناس مألوفة وغرائبية، وبمواقف ساخرة أحيانًا يتجاوز بها عن رتابة المزج بين الأساليب الفنية المقيدة بمواصفات الكولاج والرسم، وبمقاسات مبنية على التماسك والتناغم بين الأضداد.
يراعي الفنان "منصور الهبر" ضبط اللون ونظامه عبر تدرجات يمنحها سماكة ما ليبتعد عن الشفافية في الخط من خلال اللون، وخربشات القلم وتقطيع المشهد وضبطه تصويريًا دون خلل في الوحدات التركيبية بصريًا، المكونة من فروقات سلوكية أو إنسانية تعتمد على اختلاطات الرؤية، ليتم اكتشاف الفروقات بدقة ملاحظة يتوخاها فعليًا، ويبعثها إلى المتلقي مستفزًا بها ذهنية البصر المحاكي للعين، وبإحساسات فنية لها مدلولها النفسي والاجتماعي والسلوكي، وبتعبير تصويري له حركته الدالة وبتأليف تخيلي ومنطقي يؤكد من خلاله على جمالية الفكرة في صنع المشهد، وحيثياته الفنية المتناغمة مع الحس والمعنى الذي يفصح عن اتجاهات اجتماعية مختلفة تؤانس البصر وتتركه في حالة تتلاءم مع البنية الفنية التي يعتمدها "منصور الهبر" في لوحاته.
يقتفي الهبر أثر الخط وخربشاته بإثراء اللون ومنحه قوة بصرية مضافة إلى المعنى، ليتسق إيقاع اللوحة مع نغمة الحركة والضوء عبر التضاد المتثاقل بين شكل وشكل، وبين لون ولون وبتكوين ذي خصائص جمالية خاصة، تواكب اتساع الذهن ومحاولاته في فهم عيشية الإنسان، ضمن وجود هو مساحة اللوحة دون أن يتخطى توثبات الخيال أو وضعيات الأشكال واتجاهاتها، كقطع موسيقية تحتفظ بنغماتها مكونة مقطوعة بصرية لها انفعالاتها وتصوراتها المتذبذبة بين مد تخييلي وآخر واقعي، محتفظًا بنكهة الكولاج وضم الألوان والأشكال في بناء اللوحة للتأثير على جمالية التكوين الفني في لوحاته ومؤثراتها الذهنية البصرية معًا، مع الاهتمام بالمعنى النقدي الاجتماعي أو غيره.
أعمال الفنان "منصور الهبر" (Mansour El Habre) في غاليري جانين ربيز (Galerie Janine Rbeiz) وتستمر حتى 23 أيلول 2015.
ضحى عبدالرؤوف المل