الكتابة خارج المعايير الأساسية

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في رواية "جبل الروح" للروائي غاو لينغشيان.

يتعمق جاو لينغشيان في الذات الإنسانية، وفي تشابه الأمكنة والأزمنة التي تروي الروايات المتشابهة للحاضر والمستقبل، لحياة من شأنها أن تتكرر وتتطور، وفي كل مرة نعيد البحث عن الذات في تفاصيل كلاسيكية، واقعية، خيالية، أو حتى سريالية، فهو يؤسس الرواية من الأفكار التي تنبعث من قراءات متعددة ، يصقلها التاريخ والأسطورة والـأحداث، وهي مبنية على تكرار الحدث الزمني، والتشابه غير المرئي بين الفصول، مما يترك للقارئ قدرة على لمس التحولات بين الفصول الشبيهة بالمشاهد المسرحية، أو اللوحات المختلفة، والمتنوعة بتنوع المدارس في الفن التشكيلي، لكنه صب المزيج الروائي في سرديات موضوعية ذات تناقضات حكائية ، لكنها محبوكة في عوالم ذاتية منسوجة بحكمة صينية تعكس ملامح الواقع، والزخم المشهدي المرسوم بريشة بلاغية تطرح رؤاها بتوازن انطباعي معاصر يضيء جمالية الصورة الروائية، وانعكاساتها على المخيلة "هناك حيث تتشابك القمم في كنف الضباب والغيوم" .

واحد وثمانون فصلا، أو إحدى وثمانون شيفرة يفكها القارئ تبعا لثقافته، وللتغيرات الفكرية المتفاعلة مع المفارقات التي فرضها مضمونا، وتجسدت بأسلوب تخيلي لم يخل من معالجات اجتماعية مثقلة بهموم الذات، وبالمخاوف النابعة من مفارقات تعتبر "حقيقة السلوك البشري" هي الأبرز كسلوكيات الرجل والمرأة في كل المراحل الروائية التي تدرجنا بها من الحدث وصولا للذروة، والاندفاع الحيوي للتضاد، كالأمل واليأس، والموت، والحياة الإنسانية بشكل عام، وما تحمله من تضاد في المفاهيم عامة " أما الإنسان فهو قادر، إذا حبى بنعمة الذكاء طبعا، على اختراع كل شيء، بدءا من النميمة وصولا إلى طفل الأنبوب، لكنه في الوقت نفسه يبيد كل يوم نوعين أو ثلاثة من الأنواع الحية في هذا العالم، تلك هي الخدعة البشرية" فهل يلقي الضوء غاو لينغشيان على علاقات الإنسان مع ذاته والآخرين؟

هواجس ، ومخاوف، وأفكار تبتعد وتقترب من البداية والنهاية ، بحيث كلما أنهيت قراءة فصل بدأت من نهاية أخرى، فالموازين الروائية مرتبطة بالفصول وحكائيتها، وقصصها ومفاهيمها الدلالية المتصارعة مع ذاتها، والمعلقة بخيط روائي غير مرئي متحرك بسلاسة حداثية تستهدف خلق محاكاة نفسية بين " هو ، وهو، وأنا" وكأن الهو والأنا معادلة للعبة ضمائر ما هي إلا لعبة جوهرية لحقيقة الحياة " فالحقيقة لا توجد إلا في التجربة، وليس التجربة بالمطلق بل في تجربة كل منا، حتى لو وجدت في تجربة كل منا فإنها تستحيل حكاية"

يصطدم القارئ بالواقع، كما يصطدم بالسريالية في مشاهد تبهر القارئ، كما أبهرت الروائي نفسه "وبهر إذ رأى الراهبة ذات الرأس الحليق غارقة في الدم ، لكن يديها لم تتوقفا عن الحراك لإخراج أحشائها ووضعها في الطست" وبعد هذه الصورة السريالية يتركنا في دهشة نعيد بعدها ترتيب الأحداث، والصورة النابعة من تسلسل التاريخ الطاغي، وما يحمله أيضا من إثارات" يعود تاريخها إلى أكثر من أربعة آلاف سنة" فيمارس بذلك غاو لينغشيان لعبة واقعية تطغى على التخييل، والتأويلات الأدبية المقرونة بلذة روائية يستهدف من خلالها جعل القارئ هو المسافر الأمثل في رواية تحمل من المشاهد الحياتية ما يجعلها شديدة الوصف، والسرد بشكل فانتازي وميثولوجي أحيانا.

تقاطعات أدبية في المفاهيم والمضمون والأسلوب، ولدت من الصور المرسومة والمتداخلة مع المعنى، كما إن حديث الذات هو اتصال وانفصال يجمع بينهما حوارات حسية ، تحتشد فيها تكوينات لغوية تحمل صفة هلامية، لشخصيات تبدو مألوفة في سفرها الداخلي والخارجي، وفي تساؤلاتها التي تعتمد على مفردات تشكك في حقيقة الهدف الذي دفعه للبحث عن جبل الروح حيث" إن المفاهيم البشرية الأولى ولدت من الصور، ثم امتزجت بالأصوات، لتظهر أخيرا اللغة والمعنى" وفي هذا خلق جذب ذهني ليضعنا فكريا أمام صفاء تام، لنستنتج المغزى الموضوعي لجبل الذات، أو جبل الروح أو جبل الحياة " إن الشيء الذي يشدك إلى القصة هي القصة بحد ذاتها في صفائها التام.

وعي أدبي يفصح عنه ببلاغة دقيقة، وإيجاز جزئي اكتفى من خلاله بمناجاة وسفر روحي، وإلى تحويل تجربته " تختصر مسرات الحياة ونوائبها " وكـأنه الغارق في تخيلات يمنحها صفة واقعية، وفاعلية جعلت " العمل والطموح توأمين لا ينفصلان، لأن الفن مقارنة مع الطبيعة باهت وناقص" والحقيقة الفطرية النابعة من صميم الذات هي الرواية التي تتمتع بالعناصر الأقوى، والمشاعر العميقة " فالرواية ليست الرسم، إنها فن الكلام" وهذه بحد ذاتها دعائم بنيوية قدمها غاو لبنغشيان ليضعنا ضمن عالمه الروائي الخاص، والتجريب الخيالي لروائي مبدع بالسليقة الفطرية في رواية الأخبار، فهو هنا يمنح القارئ المعايير الأساسية لكتابة الرواية، بما أنه ينفيها فعليا في قوله: " الكتابة خارج المعايير الأساسية" وهذا ما جعله يضع نفسه أمام تأليف ذاتي، لفصول بلغت مبلغها من وصف، وسرد، وحركة مرئية تخيلية، وحدث محبوك بسلسلة امتدت من الفصل الأول حتى النهاية حيث البداية، وهي كتابة رواية يبدأ بها القارئ حين يسترجع مع غاو ذكريات الطفولة من خلال الاستحضار" تسعى دوما إلى استحضار طفولتك، تشعر دائما بالرغبة في استعادة البيت والباحة والشارع، كل الأمكنة التي عشت فيها، وأودعت فيها ذكرياتك." ربما هنا سعى في إيجاد تفسير مقنع، لاسترساله في رحلة البحث عن " جبل الروح " المرتبط بميثولوجيات وأساطير صينية مع التنبه لصعوبة بلوغ الحلم الذي تنشده الفتيات في عمر مبكر، كحلم فارس الأحلام" كوني على يقين أنه في الحياة لا وجود لفارس الأحلام، وإلا فسوف تكون حياتك سلسلة من الخيبات المتتالية ، وهنا تيقظ فكري حاد يحاول من خلاله تنبيه المرأة، لشدة تأثير الحكايا والأساطير التي تجعل من فارس الأحلام غاية تحاول كل فتاة الوصول إليها، وحين تصل تصطدم بواقعية الحياة، فالمرأة في رواية "جبل الروح" هي الروح المقيدة التي تنقاد حتى لرغبة مغتصبيها، وكأنه يجعلها الذات الوطنية التي مرت بمراحل متعددة من الاغتصابات والانتهاكات، وحتى التلوثات الثقافية مع المحافظة على ترك شخوصه غامضة نوعا ما كالراهبة " فاستعمال مقاربات عدة للوصف لا يعفي من رسم بورتريه للشخصيات أنفسهم، حتى لو كنت تعتبر أن هذه الضمائر شخصيات، فإن كتابك لا يحتوي أية شخصية واضحة."

ترتبك المفاهيم الذاتية داخل الروح الروائية في محاولة لإعادة الوعي المتيقظ داخل الأنا، ليولد الهو مع حياة واضحة لا تستجيب لأية غاية مع فارق حسي، وهو التشابه بين الرواية والحياة، والانطلاق في سفر روحي لأنك " تنطلق في سفرك الروحي بالذات، تتسكع في أرجاء العالم كله معه، مقتفيا أفكارك، وكلما ابتعدت اقتربت، لدرجة يصبح معها فصلنا كالأمر المحتوم مستحيلا.

عليك إذا بالتراجع خطوة، وهذه المسافة تخلق، وهو طيف عندما تتركني وتنأى."فهل غاو لينغشيان يبحث عن جوهر الروح؟ أم أن جوهر الحياة استحال رواية فعلية تستند إلى وقائع وشخصيات حقيقية مع ما يتطلب الأمر من خيال."

Doha El Mol