مصر أم الفن بكل ما أنجبته من فنانين عظماء، ومن بينهم الفنان الراحل نور الشريف.

ضحى عبد الرؤوف المل.

انطلق الممثل القدير "نور الشريف" من السيدة زينب، رافعًا لواء الفن دون أن يكمل لعبة كرة القدم التي كان مولعًا بها في نادي الزمالك، ليكون في مسرحية بعنوان "الشوارع الخلفية"، مانحًا للمسرح انطلاقته الأولى، لتكون بمثابة الفوز الخجول لبداية كبرت وأصبحت التاريخ الفني المصقول بالعديد من المسرحيات والأفلام والمسلسلات التي توجها بنجاحات سجلها واحدة تلو الأخرى بعد فيلمه "قصر الشوق" مع المخرج حسن الإمام، ليصل إلى فن الإخراج عام 1999 في فيلم "العاشقان".

"محمد جابر محمد عبد الله"، وشهرته "نور الشريف"، وُلد في 28 نيسان عام 1948 وتوفي في 11 أغسطس 2015، تاركًا إرثًا فنيًا لا يستهان به، وأسلوبًا تمثيليًا صادقًا في الأداء والتعبير، لفنان قدير استطاع على مر السنوات الاحتفاظ بفن درامي هادف وتوجيهي على كافة الأصعدة. ولم يؤخره زواجه من الفنانة "بوسي" من منح الفن قدراته المعطاءة، بل تخطى بصفاته التمثيلية حدود مصر نحو العالم، ليصبح بذلك وجهًا فنيًا له تاريخه الحافل القادر على جعل مصر أم الفن بكل ما أنجبته من فنانين عظماء، ومن بينهم الفنان الراحل نور الشريف.

"لن أعيش في جلباب أبي"، المسلسل الذي جمع الأدب مع التمثيل والأداء المبني على قدرات فنية استوقفت النقاد في كثير من الأعمال التي تعرضت إلى هجوم شرس، منها "ناجي العلي"، الذي لم يمنعه من استكمال طريق الفن الصادق، الذي هو جزء من الحياة وتفاصيلها السياسية والاجتماعية. لنراه مع "الثعلب" في تقلبات الشخصية، وبما عرفناه من الفنان القدير نور الشريف من إطلالات سينمائية وتلفزيونية ومسرحية، وعبر تاريخ درامي فني طويل توّج بأوسكارات وجوائز عديدة لأعمال ستكون مدرسة لأجيال لاحقة.

"عندما يبكي الرجال"، و"ضاع العمر يا ولدي"، و"الإخوة الأعداء"، ومئات الأفلام والمسلسلات، وصولًا إلى "الحاج متولي". فالرحيّات طوكلها ذات مميزات لم يتكرر فيها الفنان "نور الشريف"، بل اعتمد على تنوّع الأدوار والشخصيات، مستقلاً بميزته الذاتية ونهجه الذي واظب عليه من البدايات حتى مرضه وعلاجه وموته. إلا أن الفنان يبقى في ذاكرة التاريخ والفن لأنه وجه الوطن الذي يتسم عند الحزن والفرح على السواء لما يحمله الفنان من هموم بلده ووطنه. وبما تزخر به أعماله من مواضيع تبقى في أرشيف خاص به، ليحيا بذلك عبر الماضي والحاضر والمستقبل. فهل نستطيع قول وداعًا أيها الفنان القدير "نور الشريف"، أم نقول إنك مدرسة نتعلم منها التميز والبقاء في سجل الأوطان التي تحتضن الأبناء المبدعين على مر العصور؟

تم نشره في جريدة اللواء عام 2015

الفن هو مرآة الأمة التي تعكس تاريخها، ثقافتها، وأحلامها. في كل قطعة فنية، سواء كانت لوحة، أو قصيدة، أو فيلم، هناك بصمة فكرية تجسد اللحظات الفارقة في حياة الشعوب. والفنان، سواء كان مخرجًا أو كاتبًا أو ممثلًا، هو من يكتب بالفن سطور المستقبل، بحيث يبقى أثره خالدًا لا يتبدد مع مرور الزمن.

في هذه المسيرة الطويلة من الإبداع، تظل مصر واحدة من أبرز الحضارات التي أسهمت في تشكيل فنون العالم. الفنان المصري كان ولا يزال عنصرًا محوريًا في تشكيل ذائقة الشعوب، وتطوير مفاهيم الجمال والفكر. ومن بين هؤلاء الفنانين العظماء، يأتي اسم "نور الشريف" ليضيء سماء الفن المصري والعالمي، حاملاً معه تجارب حياة وأدوارًا فنية جعلت منه رمزًا من رموز الدراما العربية.

قد يظن البعض أن الفن محصور في أدوار معينة، أو في قالب تقليدي ثابت. لكن الفنان الحقيقي هو الذي يرفض الجمود، ويبحث دومًا عن التجديد والتنوع في تقديم نفسه. نور الشريف كان نموذجًا لهذا الفنان المتجدد، الذي استطاع أن ينتقل بسلاسة بين الأدوار المختلفة، ما بين الدراما الاجتماعية، والتاريخية، والإنسانية، والمسرحية، ليعكس من خلالها صراعات الإنسان العربي بكل تفاصيلها المؤلمة والمبشرة.

وكانت مسيرته مليئة بالتحديات، ولكنه واجهها دائمًا بالإيمان بفنه، واهتمامه العميق بقضايا المجتمع. في كل دورٍ قدّمه، كان يحكي قصة إنسانية تمس قلب كل مشاهد، وتفتح أمامه نوافذ جديدة من الفهم والرؤية. ربما كانت تلك القدرة على التواصل العميق مع الجمهور هي السر وراء خلود أعماله في الذاكرة الجمعية. وعندما تذكرنا "نور الشريف"، لا نستحضر فقط أعماله الفنية، بل نتذكر أيضًا ذلك الإصرار على الاستمرار رغم التحديات، والمثابرة على تقديم الفن الهادف الذي يعكس الواقع ويحفز على التفكير.

وفي عالم الفن، لا يقتصر الأمر على الأداء والإبداع، بل يمتد إلى تأثير الفنان على محيطه، وقدرته على تشكيل وعي المجتمع. فالفن ليس مجرد ترفيه، بل هو أداة قادرة على تغيير الواقع، وتحفيز الأفراد على التفكر في حياتهم، ومجتمعاتهم، ومستقبلهم. وهذا ما فعله نور الشريف في أعماله، فقد كان فنه مرآة للمجتمع، وكان دائمًا يسعى لتقديم رسالة فنية سامية.

وفي النهاية، يبقى الفنان، مثل أي مبدع آخر، في ذاكرة الأجيال اللاحقة، ليس فقط من خلال أعماله الفنية، بل من خلال الأثر الذي تركه في نفوس الناس. نور الشريف لم يكن فقط فنانًا قديرًا، بل كان شاهدًا على تطور الفن العربي، وكان جزءًا من تلك الرحلة الإبداعية التي ستظل حية في قلوب الناس، حتى وإن غاب عن عالمنا.

يظل الفن حيًا طالما هناك من يؤمن به، وطالما هناك من يقدّر جماله، ويبقى اسم "نور الشريف" جزءًا من ذلك التراث الذي لا يزول.

.

Doha El Mol