الفنان "خضر علاء الدين للواء" شوشو في داخلي ولا أبكي إلا عندما أحاكيه"

حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل

قشعريرة تلف الحواس عند رؤية الفنان "خضر علاء الدين" على المسرح وهو يحاكي والده "شوشو" من خلال تجسيد دوره في مسرحية "من خضر علاء الدين إلى شوشو" على مسرح "بيت الفن" في طرابلس، حيث أبدع في تجسيد شخصية "شوشو" بحركة تطغى على جسده النحيل وبخفة تعبيرية تنطق بالمخزون الهائل الذي يخفيه جسد الممثل على المسرح، والإحساس بلغة إيمائية تستطيع وضع البصر أمام المضمون الذي يريد "خضر علاء الدين" مسرحيًا أن يُوصله، وبليونة تعبيرية قادرة على خلق شخصية متفردة توازي بعطائها أبطال المسرح اللبناني في فترة ما قبل الحرب اللبنانية. إذ يبدو في تكوينه الجسدي ذو البساطة التي تؤهله لأداء الأدوار الإيمائية والصامتة، أي تلك القادرة على إضحاك الجمهور بشكل كوميدي هادف من خلال طابع خاص يتشابه مع والده "شوشو" الذي يحاكيه بإحساس ونبرة فنان يفتقد كائنًا يسكنه بشوق الابن لوالده، وبرمزية هي نوع من الإيحاء التمثيلي المؤثر الذي يخلع عنه جلباب الأب، مجندًا أفكاره للانطلاق نحو فضاءات المسرح التخيلي الذي يحتاج إلى عوامل مثيرة للمشاهد. إلا أنه استطاع أن يستخرج مكنون النفس الداخلية ويستبطنها بأفكار "شوشو" ليراه مع الجمهور واقفًا على المسرح بمشهد يستأثر بالمشاعر والانفعالات التي بدت على وجوه الحضور. ومع الفنان "خضر علاء الدين" أجرينا هذا الحوار.

- مسرح أعاد بعض الذكريات لشوشو. متى نرى الفنان خضر علاء الدين مستقلًا وصامتًا؟

قريبًا، لكن المشكلة الأساسية هي أن المسرح في البلد بطيء، والفنان يفكر ألف مرة قبل أن يخطو خطوة في قرار التمثيل المسرحي.

- ثقافة المسرح من أين جاء بها الفنان خضر علاء الدين؟

من أبي "شوشو" وجدي "محمد شامل"، وأنا درست المسرح في أمريكا.

- لديك خطوات إيقاعية تعبيرية. هل هناك خطوات راقصة إيمائية مسرحيًا؟

أحب كوميديا الجسد، وقد درست هذا النوع في أمريكا، أي الرقص التعبيري، ولكن لا أجد المساحة الكافية لذلك على المسارح في لبنان.

- ما الفرصة التي ينتظرها ابن الفنان شوشو؟

أنتظر بلدي لبنان أن يقف على قدميه مسرحيًا ليجد الجمهور المسرحي. للأسف، لا وجود للجمهور المسرحي في لبنان.

- هل نفذت المسرحية الكاملة والبعيدة عن الأب شوشو في حياتك؟

في الحياة نعم، هي عراك حياة، والحمد لله، رأيت ابني وعشت أكثر من أبي الذي توفي وعمره ستة وثلاثون عامًا. أنا الآن في الثامنة والأربعين من عمري، ورأيت ابني في الخامسة والعشرين، والحمد لله، رأيت فيه استمرارية الحياة وجمالها مع تجارب كثيرة مرّة في الحياة. أما "شوشو"، فقد كان الفنان السابق لعصره. دون أن ننسى أن هذا الكيان الفني حاصرني من كل الزوايا، أولًا "محمد شامل" وهو جدي والد أمي، المربي، الأديب، الشاعر، الكاتب، والممثل. ثانيًا خالي "يوسف شامل" وأبي "حسن علاء الدين"، و"شفيق حسن" هو أخ جدي وزوج خالتي رحمه الله، الأستاذ الكبير "غازي شرمند أمين".

- عائلة فنية طويلة، هل هذا الإرث يصعب الحفاظ عليه؟

أحيانًا يصعب الحفاظ على هذا الإرث الفني ويصعب تكملته، لهذا ألجأ للصمت أحيانًا كي لا أخدش هذا الإرث كما هو دون ضرر. أنا شخصيًا، كل خطوة أقوم بها أدرسها وأفكر فيها ألف مرة، لأن أي خطأ سيكون محسوبًا. لهذا أصبحت أخاف الإساءة لهذا الإرث الفني الكبير الذي تركه الأهل والأجداد. فإذا كنت لا أستطيع الزيادة عليه، يجب أن أتركه كما هو، وهذا أفضل خصوصًا في هذه الأيام، وهذا أقل واجب.

- هل شعرت أنك تحاكي شوشو خصوصًا عند دخولك إلى المسرح، والدمعة تختنق في حلقك؟

شوشو في داخلي، ولا أبكي إلا عندما أحاكيه. وعندما نزعت الشوارب، حاورته واسترجعت أشياء كثيرة كان يقولها على المسرح، وأشياء نحن كتبناها بشكل خاص.

خضر علاء الدين صمته كلام، وتعبيره صامت، يحاكي بارتجال الجمهور؟ الحمد لله، أشعر أحيانًا وأنا على المسرح أنني أقول الكثير من الكلمات بارتجال "وقعت وكتروا الجلادين"، ولكن قسم كبير من المسرحية ألغيته، لأنه بصراحة لم أجد تفاعل الجمهور. أنا دائمًا بوحدة حال مع الجمهور، لهذا ارتجل كي نتفاعل معًا بشكل يرضيني ويرضي الجمهور.

- لاحظت وأنت على المسرح أن الضحكة الأكبر كانت من الشباب والمراهقين والأطفال. هل لاحظت ذلك؟

أحببت جدًا هذه الضحكة العفوية التي ترمز إلى الفهم لحركة هي أقرب لهذا الجيل الحاضر، الجيل الذي لم يرافق "شوشو" مباشرة على المسرح إلا من خلال "خضر علاء الدين"، ومن الصعب جدًا إيجاد الجمهور الذي يضحك.

- انتهت المسرحية وأنا في حالة عطش للمزيد. ماذا تقدم لأمثالي، أي لمن يريد رؤية خضر علاء الدين بعيدًا عن شوشو؟

سأقدم عملًا قريبًا، مونودراما "مونو"، وعلى أيام معدودة. الأفكار كثيرة وهي في طور الكتابة، وننتظر الوقت المناسب.

- متى نراك في عمل مسرحي عالمي؟

أتمنى اليوم قبل الغد. وكاتب مسرحي يوجد، وهو الأستاذ "فارس واكيم". وعندي نصوص لشوشو لم يقم شوشو بتمثيلها، ولكن لا يوجد الظرف المناسب لتقديم ذلك.

- ماذا تقول لابنك؟

أنا سعيد جدًا لأنه ابتعد عن الفن، وأقول له "ابتعد عن الفن وغنيله، ما متت ما شفت مين مات؟"

كلمة أخيرة للقراء... أشكر جمهور طرابلس لأنه جاء وتفاعل. أنا زرت طرابلس من قبل على مسرح الرابطة الثقافية بمسرحية "أخ يا بلدنا" سنة 1990، والآن في طرابلس "بيت الفن". وهذا شرف لي، وأشكر الأستاذ "عبد الناصر ياسين"، مدير "بيت الفن"، والفنانة الكبيرة "سميرة بارودي"، وجريدة اللواء.

في تحليل لحواري معه نكتشف أن الفنان خضر علاء الدين يعكس بوضوح عراقة الفن اللبناني ومكانته المتميزة في قلب هذا الفنان الذي يسير على خطى والده الراحل، الفنان الشهير "شوشو". من خلال إجاباته، يظهر خضر علاء الدين كفنان يحمل إرثًا ثقافيًا وفنيًا ثقيلًا، ويواجه تحديات معاصرة في مجال المسرح اللبناني، حيث يتعامل مع القضايا الاجتماعية والفنية بعقلية نقدية ومدروسة.

الحوار يلتقط جانبًا إنسانيًا عميقًا في حياة الفنان. يشير خضر علاء الدين إلى تأثير والده "شوشو" وجده "محمد شامل" على تشكيله الفني، ويُظهر بوضوح كيف أن إرث العائلة قد فرض عليه مسؤولية الحفاظ عليه، حتى وإن كان ذلك يتطلب منه تروّيًا وحذرًا. عندما يتحدث عن "شوشو" الذي لا يزال حيًا في داخله، نرى كيف تلتقي الذاكرة الشخصية بالذاكرة الثقافية، وكيف أن الفن بالنسبة له ليس مجرد تمثيل، بل هو إعادة خلق لنفسه في أدوار موروثة. هذا الإحساس بالمسؤولية يظهر بوضوح في حديثه عن التردد في اتخاذ قرارات فنية خشية أن يسيء إلى هذا الإرث. ما يميز خضر علاء الدين هو ارتباطه العميق بتاريخ عائلته، مما يضيف بعدًا وجدانيًا لحوارته.

يتناول الفنان موضوع المسرح في لبنان بكل واقعية، حيث يشير إلى بطء تطور هذا الفن في البلد وصعوبة تفاعل الجمهور معه. هذه الصراحة تشير إلى تحديات المسرح اللبناني في الوقت الراهن، ولا سيما في ظل نقص الدعم الجماهيري وغياب التفاعل الفعلي مع الأعمال المسرحية. عندما يتحدث عن صعوبة الحفاظ على ثقافة المسرح في ظل هذه الظروف، يبدو خضر علاء الدين كمن يطرح تساؤلًا مهمًا حول مستقبل هذا الفن في لبنان. إضافة إلى ذلك، يكشف عن افتقاره للمساحة المناسبة للتعبير الفني على المسارح اللبنانية، حيث يصعب عليه استخدام تقنيات الرقص التعبيري التي درسها في الخارج.

من جهة أخرى، يظهر خضر علاء الدين أملًا في إعادة إحياء المسرح اللبناني، خاصة من خلال خطط لتقديم أعمال جديدة بعيدًا عن شخصية "شوشو". وهذا مؤشر على سعيه للابتكار والإضافة، على الرغم من القيود التي يواجهها. عبر حديثه عن "المونودراما" وحرصه على تقديم أفكار جديدة، يوضح خضر علاء الدين أنه يطمح لترك بصمته الخاصة في عالم الفن المسرحي بعيدًا عن إرث والده، رغم احترامه العميق له. كما يبرز اهتمامه بتقديم عمل مسرحي عالمي، مما يعكس طموحه لتوسيع أفق أعماله وتقديمها لجمهور أوسع.

من الملاحظات المثيرة في الحوار هي رؤيته المتمعنة في رد فعل الجمهور، لا سيما الشباب والمراهقين والأطفال، على أعماله المسرحية. يبدو أن خضر علاء الدين يعي جيدًا أهمية التواصل مع الأجيال الجديدة وكيفية جذبهم إلى المسرح. هذه الملاحظة تكشف عن وعيه بأن المسرح لا يقتصر على إرضاء الأجيال السابقة التي عاصرت "شوشو"، بل هو في حاجة ماسة لفتح قنوات تواصل مع الجيل الشاب.

في المجمل، يُظهر هذا الحوار شخصية فنية ناضجة تحترم إرثها العائلي وتسعى باستمرار للابتكار والتجديد في المجال المسرحي. برغم التحديات التي يواجهها في بيئة فنية قد تبدو غير مشجعة، يبقى خضر علاء الدين مصممًا على مواصلة رسالته الفنية والبحث عن طرق جديدة للانتقال بفنه إلى آفاق أوسع.