مغارة جعيتا ... سحر العباد ... وآية المعبود

ضحى عبدالرؤوف المل

تتفتح الحجارة في مغارة جعيتا اللبنانية، فيسيل منها الماء ليعزف إيقاع الحياة التي تتجلى في مشهد محسوس لفكر متأمل لروعة الماء والحجارة، والإيقاع الناتج عن صوت قطرات الماء في مغارة جعيتا السياحية التي تنقسم إلى مغارة عليا، ومغارة سفلى بفعل الضغط المائي المنحسر داخل حجارة المغارة ذات التكوين النحتي المتعدد الأشكال والمعاني المتدثرة بالهيبة والوقار لتلك الآية التي تسحر عباد الله، وتملأ النفس راحة، وكأن الأشكال التي نحتتها قطرة الماء تروي قصة الكون عبر حجارة تندّى بالماء السلس الذي ينسال بلين وبشفافية، وجهد تستجيب له حجارة مغارة جعيتا في لبنان، التي تقع بوادي نهر الكلب على بعد نحو 20 كلم شمال بيروت، وتتكون من طبقتين: الطبقة العليا (المغارة العليا) والمغارة السفلى التي تبحر فيها الزوارق الصغيرة، وتنحصر بين طبقة الماء الراسخة في قعر المغارة، وبين طبقة الحجارة التي تتدلى بجمال يدهش العقول المحتارة في هذا البناء الممتع والمثير للتأمل والصمت كي يستمتع السمع بصوت سمفونيات الماء لتشاهد آيات فنية وأنت تسير على الأقدام في المغارة العليا أو تبحر بزورق في المغارة السفلى، فهل أصابت عصا موسى هذه الحجارة التي تنبع منها المياه؟

لدائنية الحجارة ومساماتها التي تنبع منها الماء

في لدن كل حجر سر مائي يتميز بقسوة ولين، تبرز منه الخطوط اللينة التي تنحتها وتمرد الحجر في قسوته البارزة بخرمشة مسننة أحيانًا، وكأن صلابة المادة الحجرية من صلابة الماء وإصرارها على فعلها النحتي يتماشى مع المقاييس الهندسية التي يعجز الإنسان عن فهمها، وبتناسب بصري تتفاوت فيه الارتفاعات والأشكال ما بين مسننة ومدببة ومزركشة ومزخرفة. لتتخذ قطرات الماء من شقوقات الحجارة مسرى لها، وبمجازية تكشف عن إيحاءات تجبر الزائر للمغارة على التفكر والتبصر في آية المعبود هذه ذات التكوين الإعجازي، والركن الشديد المشيد في طبيعة حجرية بكرية تتجدد معانيها الإيحائية كلما أعاد البصر الكرة، وتمعن بحركة الماء وسكون الحجارة، وشدة الأشكال وتراخيها، غلظتها ورقتها، وهذا التنافر والتماسك في التجاويف الداخلية والخارجية يثير الحس الجمالي. لكونها ذات شعاب تتفرسها قطرات الماء التي تتبع اتجاهات الحجارة المسومة حركيًا بين تدافع بطيء وسريع لقطرات الماء التي تنزلق بتعبير حسي موسيقي ينبع من قوة الطبيعة وإعجازها الجمالي في مغارة توحي أشكالها الحجرية بالحضارات المتتابعة وحكاية الإنسان.

قطرة الماء لبنة بناء مغارة جعيتا

يمتد النفق في مغارة جعيتا، فيستمتع معه البصر متشوقًا لاكتشاف المزيد، فالسير على الأقدام لمسافة مئة وعشرين مترًا يمنح الرائي المزيد من جمالية تكويناتها المرتفعة والمنخفضة، وبتلاعب سيمتري تتماثل فيه الأشكال وتتناظر، ويتنافر الطول والعرض كما تأخذ الأحجام أبعادها في إيجاد الطبقات الرسوبية المستقرة على الأرض أو المرتفعة وفق اختلافات تشع منها الحياة، فمستويات الأقبية موزعة كنوتات موسيقية تقرأها العيون وفق لحن هندسي مبهر بصواعده التي تشق طريقها مع الهوابط في انعكاسات تؤثر على الأعمدة الكلسية المزدانة بعبق اللون المتشرب للماء التي جعلت من كل شيء حي حتى الحجر النابض بالامتلاء المحسوس بالرواسب الكلسية والمشبع بإشراقة الحبيبات المتدلية من سقوف نشأت منها الأعمدة الكريستالية المكونة من حجر ساحر يصعب مزجه بالخيال الساحر أو بسريالية غرائبية مكونة من قطرة ماء هي في الحقيقة لبنة مغارة جعيتا التي استطاعت نحت كل ما تراه العين، وما يحتفظ به الوجدان من عبق الزمن وتفاعلات الضوء المتسرب مع قطرة الماء خلسة دون شمس تلامس حرارتها هذه المعجزة الطبيعية المسماة مغارة جعيتا.

تقاطر الماء عبر الزمن في مغارة جعيتا

متدليات طبيعة لأحجار جيرية وصخرية متنوعة، وبنسيج جيولوجي محبوك بعظمة الارتفاعات وقياساتها، واتساع المغارة المنحوتة بتمدد ذي فروقات تنفصل وتتصل وفق قوة الحجر وضعفه، وقدرة الماء على نحته كأزميل فنان تتحول الصخور بين يديه إلى قطع فنية تنمو وتشيخ، وتموت وتتجدد مع التوازنات التابعة لعمق المغارة وانعزالها عن الضوء بحيث تزدان حيويتها في العمق أكثر من الخارج، فالأشكال الشبيهة بالطبيعة الخارجية هي جزء من سر تأليفها الحجري المبني على كينونة التماهي مع الكل. لتتفاعل قطرة الماء مع الحجر، وتنتج ملايين النتواءات الدقيقة، وكأنها مطرزة بإبرة دقيقة تحتاج في تشكيلها لصبر دؤوب يمتد إلى آلاف السنين. وبطبقات حجرية تطوي بعضها البعض، كرقائق متعرجة وفق انحناءات ملساء وخشنة مدهشة في ألوانها الداكنة والفاتحة، والمتفاوتة في تدرجات اللون الواحد للحجر الذي تتلاعب به قطرة الماء مكونة مشهدًا عجائبيًا تصعب الكلمات وصفه. لأنه سر بيولوجي كؤلؤة لا يمكن لها الخروج من محارتها. لأنها ذات مكنون تخيلي إيحائي يرتبط بحقيقة الكون والأرض التي نمشي عليها وتفجرت منها المياه والينابيع، فهل بلاغة التكوين في مغارة جعيتا تحتاج ليد إنسان يصقلها؟ أم وحدها قطرة الماء هي المعجزة الحقيقية في تكوين المغارة وجمال أشكالها الغنية الملتحمة كبحر أو كرمال صحراء تشكلت منها الرؤى الإنسانية المذهلة جماليا؟

خصوصية مغارة جعيتا وتفردها المهيب

يختلف الحجر في كينونته عن الماء. إلا أن في توحدهما آية جمالية تعجز عن وصفها الألسن والأقلام. لأن الرحلة المائية في المغارة السفلى ترادف في انطباعاتها المغارة العليا، وكأنها مبنية فوق بعضها البعض بإعجاز هندسي بنائي يعج بالنتوءات والتعرجات الدقيقة الصنع، بل والأشكال الضخمة المبلطحة وبسيمترية صغيرة وكبيرة، غائرة ونافرة تتميز بفراغاتها التي تمنحها الوجود المستقل عبر تلاحم جماعي متواصل لا يمكن للزائر الذي يعبر إليها بواسطة التلفريك للوصول إلى المغارة، إلا الوقوف منبهًا أمام انشقاق الحجر وسيلان الماء والأصوات التي ترنم آية الوجود في طبيعة احتفظت بخاصيتها. مغارة جعيتا السياحية التي تم اكتشافها عام 1958 وتأهيلها للزيارة على يد المهندس والفنان والنحات اللبناني غسان كلينك.

تم نشره في جريدة الصباح عام 2015