البساطة ذات الفكر الجمالي المقروء ببساطة في جدارية الفنانة "سارة الخير"
ضحى عبدالرؤوف المل
تقرأ الفنانة "سارة الخير" بذاتية مسيرة الإنسان بلا وعي فني، متحدية حساسية مادة السيراميك واللون المستقل في جداريتها المشهدية ذات اللغة الفنية المحتفظة بحيوية الوجود الإنساني وتمسكه بالتحديات الحياتية التي تفرض عليه خطوطها برتابة تجدد فيها المقاطع المتشابهة مع أي فرد من أفراد المجتمع الذي نعيش فيه. ضمن الترقب والتفاخر بالمقاومة الوجدانية لأي نوع من العناصر الحياتية التي نعيشها برغبة في تحقيق كل عنصر حياتي انطلقنا نحوه بمحبة ومثابرة وحنكة وذكاء، ومنها الجدارية التي تمردت على الجداريات الكلاسيكية، لتظهر نوعًا من البساطة ذات الفكر الجمالي المقروء بعفوية فنية تعتمد على مادة السيراميك وحساسيتها في استخراج اللون وتغيراته وقدرتها على المواظبة في تثبيت الفكرة التي تريد لها أن تكون كالقصص القصيرة، وبطفولية لها معانيها الواعية في جدارية معاصرة لم تمنحها العمومية والموضوعية، بل حصرتها بذاتية تاريخ الميلاد الذي تمسكت به كسيرة ذاتية قيدت الجدارية وتركتها بخاصية ذاتية تشير من خلالها إلى مسيرتها الشخصية. فهل استطاعت تخطي الذات بأرقام تاريخ ميلادها أم أنها أرادت الاحتفاظ بخاصية مغامرة الحياة في هذه الجدارية، لتكون تحديًا ذاتيًا قادرًا على الفوز البصري لدى المتلقي؟ أو تأريخ فوز جداريتها الذاتية التي تحاكي بها الآخر بوجود من نوع آخر؟
مدلول تصويري حياتي يخدم المضمون ويفتح آفاق الواقع على الأحلام التي يحقق من خلالها الإنسان نجاحه أو فشله دون الوقوف عند أي تعثر كالطلاق والفراق بين المحبين أو بين الأزواج الذين أنجبوا الأولاد قبل انفصال له رمزيته اللونية في جزء من جدارية ذات لوحات ورؤى لها مدركاتها الواقعية، ومعنى يترك الأسلوب ضمن علامات تعجب تكشف عن أشكال غير متناهية ترتكز على تأملات لا ارتباكات فيها، وإنما تعيد للمتلقي ذكرى حياة من الولادة حتى اللحظة الحالية الحاضرة بجدارية تختلف فيها معايير التطابق والتكافؤ الفردي بين رائي ورائي، لأنها توحي بالمراحل المختلفة للحياة. إلا أن لتاريخ الميلاد تخصيصًا للسيرة الذاتية التي بدأت من مولد متعلق بالحب بين الأب والأم والذي فقدته الفنانة وتركته عنوانًا لجداريتها "المغامرة" بكل التحديات والتجسيدات بتقطيع له مربعاته وخطوطه وألوانه منذ الولادة وصولًا إلى مشروع التخرج، فهل تستطيع الفنانة "سارة الخير" تجسيد سيرة عظماء بصريًا في مستقبل ننتظر فيه جداريات معاصرة؟
تعكس المادة في جدارية الفنانة "سارة الخير" العلاقة بين اللون والحرارة والبرودة، والقدرة على التمسك بمعايير الفنون، لتحقيق الحلم الذي يتعرض لانتكاسات شبيهة بانتكاسات الحرارة التي تؤثر على مادة السيراميك عند وضعها في الفرن وتحت درجات حرارة معينة، ليتلون اللون نفسه مع توهج الحرارة والبرودة معًا في مزاجية غامرت بها الفنانة "سارة الخير" لتستخرج المخزون الفني للمادة، وبحساسية توازي واقعية الفكرة والمضمون، والأسلوب المرتكز على تركيبة المادة أولًا وأخيرًا، وقدرتها على البساطة والتعقيد، تاركًا للتصميم تميزه من حيث الفكرة والمادة والتركيب والإيقاع الموسيقي المرتفع والمتخفض مع الأحاسيس الفنية المنبثقة من اللون ومعناه وتمثيله الحركي اللاشعوري.
نوتات موسيقية تركيبية وضعتها بتنافر بصري يثير الحس الجمالي في ذهن يعيد ترتيب مربعاتها كما يحلو للذهن التصوري والتخييلي. إلا أن لتاريخ الميلاد نزعته السلبية المتأرجحة بين الأنا والأنا والتعلق النرجسي بالذات، لتكون هي الوجود الحقيقي لجداريتها وللحظة الحب القوية والمتخيلة، أي مغامرة الحب المولودة منها في بداية حمراء مظللة بحمل، وقبلة ودائرية أشبه بمربعاتها الإيقاعية ذات الحس المتنافر بتآلف فني يوضح مقامات لعبة التركيب الفني التي اعتمدتها الفنانة سارة الخير في مغامرتها البسيطة برسوماتها والمعقدة بألوانها الخاضعة لتغيرات الحرارة والمادة في آن.
جدارية التخرج للفنانة "سارة الخير" من معهد الفنون الجميلة قسم الفنون التشكيلية طرابلس.
تم نشره في جريدة اللواء لبنان عام 2015