توظيف الألوان في تشييد الشكل الإيقاعي المثير للحواس في أعمال الفنان "وجيه نحلة"
ضحى عبدالرؤوف المل
تثير أعمال الفنان "وجيه نحلة" أكثر من علامة استفهام على مستوى اللون والحركة والإيقاع ضمن البعد الواحد الذي ينتمي في جوهره إلى دلالات تعبيرية ذات وظائف إبداعية تؤدي إلى خلق تشكيلي مجازي في رؤاه وفي النسيج اللوني المبتكر، الذي يعتمده الفنان "وجيه نحلة" لبناء عوالمه المحسوسة بتخيلاته التي تستقطب بمشاعرها حواس المتلقي من تناقض بين الحزن والفرح، والفاتح والداكن، والاختلاطات الممزوجة بملامح ومحاور مختلفة يعتمدها ليدخل حاسة معينة اصطفاها لتكون مرافقة أسلوبياً لكل لوحاته منذ البداية وحتى الآن.
إن عمل كل لون في لوحات الفنان "وجيه نحلة" لا ينفصل عن النسيج الفني والأسس التي يمنحها إيقاعات ذات علاقات تتراوح بين الدال والمدلول، ليكشف عن انزياحات موسيقية قائمة على تقاطع منطقي من أجل التأثير البصري ودفع الحواس نحو التقاط الانفعالات ضمن مساحة اللون الواحدة وأبعادها المتأثرة بالحواس، لا سيما بصرياً من حيث البعد الحركي أو الإيقاعي أو التناغم الذي يمنح اللوحة شحنات تعبيرية تنبض بالإيحاءات الداخلية التي تجدد محسوساتها الفنية عند المتلقي، بديناميكية من حيث تشكيل الصورة المترائية والتجاذب البصري والنفسي بين الحركة واللون، وبعمق اللاوعي والتلاشي عند لحظات عابرة مؤثرة في تشكيل يبوح بالقوة الحياتية التي تبدو في ظاهرها لا تعرف الحزن، إنما من يسيغ أغوار عوالمه اللونية أو العاطفية يلمس التباين النفسي بين مقصدية استخدام اللون وتراقص الخط بليونة توحي بامتداد الزمن في اللامكان التائه في أعمال الفنان "وجيه نحلة".
توازن فني انسيابي ذو حضور تفاعلي في الوزن البصري للشكل المتوحد إيقاعياً مع حجم الخطوط اللونية التي توحي بالحركة المتماسكة أو السكون المنفصل عن زمنية المكان، تاركاً مساحات فراغية ظللها بخطوط مائلة أو متراقصة بليونة تثير الخيال والشاعرية وبالتفاف نمطي أو مزاجي في تكرارته وظلاله، وبشكل لا شعوري يحقق من خلاله تناظراً ذاتياً بسيطاً في أدائه الإيقاعي، لكنه يميل إلى التوحد مع الذات أو مع اللون وسيطرته على الحواس بهارمونية غير متساوية في التقارب والتباعد البصري بين معنيين وحدهما في مضمون تشكيلي يهدف من خلاله الفنان نحلة الإبقاء على حالة من التوازن الفراغي في مساحة مملوءة بالألوان المتوحدة التي تستند على معايير الحرارة والبرودة، وبدرجات تتميز بفروقات بسيطة في مبناها ومعناها ورؤاها.
تطفو الحركة ضمن أجواء الألوان المتراقصة التي يمزجها الفنان "وجيه نحلة" بتناقض تنمو من خلاله الفكرة الإيحائية بتضاد يطرح من خلاله تساؤلات فنية على البصر المرتكز على لعبة التناغم والتحفيز الحسي. لتتكون مفاهيم الفرح والحزن وما إلى ذلك عبر الانعكاسات الضوئية ومؤثراتها الداخلية، المهمة في بناء المساحات اللونية التي تشكل بنية الرؤية المنصهرة في الإيقاعات وفنتازياتها التي تؤلف نسيجاً تخيلياً متوازياً مع واقعية البنية التشكيلية للوحة ومجازياتها في الانفلات من الواقع إلى الحلم، وبالعكس جامعاً الزمن بين الحاضر والماضي، وبفلكلورية اللحظة المشعة بالحياة وتناقضاتها المزاحمة للإحساس بالفناء والتلاشي، واللازمن أو اللاشعورية بين الماضي والحاضر والمستقبل.
معرض استعادي للفنان "وجيه نحلة" يشرف عليه الفنان "سيزار نمور" مؤسس "متحف مقام" لا يمكن وصفه إلا باللحظة الحاضرة في أعمال لها انزياحاتها الفكرية والجمالية التي تكشف عن إيقاعات فلكلورية، وتوازنات بصرية تحقق الإحساس بالجمال، وبقيمة الفن التشكيلي وتأثيره على سيميائيات لحظة فنية عاشها الفنان "وجيه نحلة" وترك لها حريتها اللونية للإبقاء على جوهر زمن مكتنز بالانفعالات والإحساسات المرتبطة باللون، وتدرجاته واختلافاته، وتناقضاته، وقدرته على خلق حوارات داخلية وخارجية ناشطة ومؤثرة في استدعاء الحس الفني وبتآزر العناصر الفنية ومعادلاتها الموضوعية.
معرض الفنان "وجيه نحلة" في مركز بيروت للمعارض بتنظيم من شركة سوليدير ويستمر حتى 31 آب 2015.
تم نشره عام 2015 في جريدة اللواء