الانحناءات ذات الليونة التعبيرية في جدارية الفنانة وفاء منافيخي

ضحى عبدالرؤوف المل

اعتمدت الفنانة التشكيلية "وفاء منافيخي" في جداريتها "أبجد هوز" على الحس الفني في اختيار الخطوط والألوان، والانحناءات ذات الليونة التعبيرية بتصميم ينبع من الحس الداخلي في خلق المعنى بحيث يرتبط المضمون بالأسلوب، وبتشابك بصري ذي حيوية يحس بها الرائي عند أول إطلالة للبصر الذي يلتقط شفافية الحركة ومعنى الجدارية وجمالية الخطوط. إذ جمعت تراث مدينة طرابلس مع الحروف الأبجدية والتخيل الواقعي في لملمة المعاني الزاخرة بجمال مدينة طرابلس من الألف إلى الياء، ومن التاريخ المشرق وصولاً إلى طوفان نهر "أبي علي" وبعده، لتتكون الرؤية بحبكة لون وتفاصيل فنية احتاجت إلى متانة في التراكيب المؤلفة من قساوة مادة سخرتها بحس المادة، كالحجر أو البلاط، لتكون ممزوجة بخيال ذي واقع فني ترجمته بتكوين ظاهري ذي وجوه متعددة متخذة من التوازن النظرة الثاقبة للمحافظة على وحدة الموضوع الذي منحته جمالية مدينة طرابلس بشغف الفن القادر على إبراز التاريخ، بتأليف شد انتباه الناظر عبر عدة نقاط بؤرية حبكتها مع الخطوط المنحنية، المتصلة بمعانٍ رمزية بسيطة في تكويناتها ومعقدة في تقنيتها من حيث صعوبة المواد التي تتكون منها جدارية "أبجد هوز" للفنانة "وفاء منافيخي".

حجر طبيعي ونوع من البلاط لإعطاء الأثر التاريخي أبعاده الخاصة، وضمن معاجين متناسقة لمنح المساحات خاصية المكان، خصوصًا حجر الأبلق، أي الحجر المملوكي الذي نراه في آثار المدينة الطرابلسية، وبأسلوب يرمز للشموخ والعظمة لمساجد ما زالت تقف في طرابلس ولها وجودها الهندسي. حيث استطاعت خلق التضاد بين الفواتح والغوامق وبتناسق هارموني مع الأبيض والرمادي، وبروح شفافة توحي بمدينة السلام حيث مزجت تقنيًا بين الحجر والبلاط والأنواع الأخرى وبتلوينات لها خاماتها الرمزية التي منحت الجدارية هدوءًا بصريًا، وبرمزية النهر للبداية والنهاية بخطوط لينة طويلة تلف الجدارية بحنكة الخط المتمكن، وبنعومة وأنوثة تجذب المتلقي إلى ما لا نهاية حيث مجد مدينة الفيحاء يتجلى بخطوط زرقاء لها معانيها المشرقة من المحبة والأمل والسلام.

ابتعدت الفنانة "وفاء منافيخي" عن الصراعات في الخطوط المتكسرة، إلا أن للحروف الأبجدية عنوانًا آخر من حيث الشكل والأسلوب واللون، والخط الحاد، وكأن صراعات الألسن التي تعاقبت على الفيحاء مدينة السلام جمعتها مدينة طرابلس بتقنية تماسكت فيها الوحدات الفنية أو بمعنى بصري يوحي بانسيابية اللغة وصعوبتها في آن. فخطوطها الحادة هي جزء من التأليف المتناغم مع الأبجدية والمعنى الزمني، وبتوزيع حركي عميق في رؤاه الهندسية أي الحرف وإعجازه وترابطه في معنى "أبجد هوز" الذي حافظت من خلاله على رمزية مدينة العلم والعلماء من خلال الحرف وتواجده بين زمنين جمعتهما بين خطين أو بين الإطار الحركي والمرن، لونًا وخطًا وضوءًا وفراغًا وانعكاسًا، وبإثارة الحس الحركي للون الأزرق وانعطافاته العاطفية المصبوغة بانفعالات الحرف الأبجدي وصراعاته في تحقيق وجوده العربي الذي حافظت عليه مدينة طرابلس حتى الآن.

أمسكت الفنانة "وفاء منافيخي" في جداريتها بنقاط البداية والنهاية في التركيب شعوريًا ولا شعوريًا، لتنشىء اتجاهات معينة تم التركيز عليها لتؤكد على العمق التاريخي للمكان، ولأهمية النهر الذي يربط بمساراته عدة تواريخ كان لها أهميتها وما زالت تضج بالكثير من جماليات الأماكن التي كان يمر بها نهر "أبي علي" دون أن تفصل بين المساحات بخطوط مستقيمة، معتمدة على عمق الخط المائي ومعناه، واللون الأزرق المرافق له بحس جمالي، وبرشاقة، ورقة، وطراوة ذات هارمونية ووجدانية غارقة بالتآلف، والتضاد وبديناميكية بصرية مريحة للنفس من حيث التحليلات لرمزية الجدارية ووحدة موضوعها، وبتناسق حسي بين الخطوط والمساحات الضيقة والمتسعة والزوايا ومعانيها التاريخية المندمجة مع وحدة بناء الجدارية وتماسكها وبنسب جمالية واضحة من حيث التنويع ودرجات الفواتح والغوامق المتقاربة والمتباعدة في آن. من حيث الألوان الرملية أو الألوان البحرية الهادئة والفاتحة، وكأنها تجمع بين الحجر والماء بروابط الألوان المحايدة وألوان الطيف، وبإحساس بصري له ميزته البصرية واختلافاته في طول موجاته ودون إسراف في الألوان، لتحقق نوعًا من الإدراك في معنى "أبجد هوز"، والاتصال الذهني المنسجم مع التباين والتضاد المؤدي إلى الإحساس بالتوازن عند الرائي.

جدارية التخرج للفنانة "وفاء منافيخي" من معهد الفنون الجميلة قسم الفنون التشكيلية طرابلس.

تم نشره عام 2015 في جريدة اللواء