حبكة حوارية فعلية وفاعلة للحدث في مسلسل "تشيللو"

ضحي عبدالرؤوف المل

يدمج مسلسل "تشيللو" الرؤى الدرامية عبر نص رومانسي وقصص حب مفعمة بفلسفات حياتية مبنية على سوسيولوجيا اجتماعية ذات بعد يُعنى بقصة حب بدأت مع شاب مجهول النسب من حيث القاعدة النفسية التي يتكئ عليها الكاتب "نجيب نصر" بما هو مستوحى من قصة فيلم (Indecent Proposal) للكاتب "جاك إنغلهارد"، لتكون بتحليلاتها الشرقية منطقية خصوصًا بمدلولاتها الاجتماعية والفنية والسياسية، وقوة المال والحب في حياة الإنسان ذات السياقات المختلفة المرتبطة بعدة اعتبارات، وبثنائية لها وجوهها المتشعبة مع الآخرين أو بالأحرى مع المحيط العائلي. مما يخلق نوعًا من الألفة الدرامية بين المشاهد والمسلسل، لأنه يطرح في جوانبه نوعيات إنسانية تسعى لتغيير حياتها بمختلف الأساليب التي تنطوي على تفاصيل مهمة عالجها "نجيب نصر" بحبكة حوارية فعلية وفاعلة للحدث، وبسلاسة ذات سياق عملي استخرج مكنونه المخرج "سامر البرقاوي" ببراعة من طاقم التمثيل المتناغم مع بعضه البعض من حيث طبيعة الشخوص التمثيلية والأدائية، وكأن التطابق النفسي بين الشخوص تم توزيعه بمهارة على الممثلين الذين نجحوا في إظهار انفعالاتهم التعبيرية بطلاقة ارتاح معها المشاهد الذي فهم المعنى الدرامي والاتجاهات الفنية في مسلسل توافرت فيه رؤى مختلفة تحررت من أي سيطرة درامية إن من المؤلف أو المخرج أو الممثل أو حتى المشاهد الذي اندمج مع الأحداث والشخوص والقصة الواقعية الملموسة في الحياة.

ثلاثية لأبطال جمعتهم آلة موسيقية توضع بين ركبتين وتلامس الأرض قبل أن تمتد إليها يد العازف، ليلامس بقوس الكمان أوتارها الأربعة ذات النغمات الكاملة بحدتها ونعومتها لتشبه بطلة المسلسل "ياسمين" أو الممثلة "نادين نسيب نجيم" آلة "التشيللو" التي تحافظ على نغمة صوتها في الأداء التمثيلي دائمًا فقد انسجمت في دورها الياسميني مع الممثل "يوسف الخال" الذي أبدع في إظهار شخصية "آدم" مع الحفاظ على روح الشخصية التي تعرضت لأزمة حريق المسرح وأصيبت بتحطيم حلمها خصوصًا بعد ظهور الفنان "تيم حسن" رجل الأعمال الناجح والمحافظ على خبايا نفسه وأسرار عمله وحبه الشديد لامرأة متزوجة يحاول الحصول عليها بدهاء رجل المال وذكاء العقل المولع بحياكة الأحداث ببراعة والقادر على خلق الجرح ومداواته بقلب رقيق وإحساس رومانسي وصل إلى المشاهد بتقنية عالية.

مسلسل "تشيللو" ليس العمل الدرامي الوحيد في رمضان، ولا يمكن وضعه ضمن خانة السباقات الرمضانية التي شهدت صراعات عديدة بين النقاد والجمهور. إلا أنه المسلسل الرمضاني الهادئ والهادف إلى بث لغة الحب التي تتناقض مع سلطة المال، وقد استطاع المخرج "سامر البرقاوي" مع المؤلف "نجيب نصر" الذي فرض رؤيته ببلاغة فنية ودرامية وبثبات حواري عبر سيناريو اخترق بمعناه روح الشرق، والإخراج المتلاحم تصويريًا وموسيقيًا ومعجونا أيضًا بالمؤثرات الأخرى التي أضافت جمالًا إيمائيًا متميزًا، دون تهميش أي جزء من التفاصيل البسيطة غير الحسّية مرئيًا، لكنها محسوسة ضمن خلفية كل مشهد ومعاني الحوارات التي تميزت بمفهومها الجمالي وقدرتها على بسط سلطتها العاطفية والعقلانية والطبيعة الأدبية ذات القيمة الدرامية التي نجح بها المؤلف، وبقالب أدبي مفهوم لدى المتلقي.

استطاع طاقم العمل نقل صور النص من خلال توسيع الاتجاهات الدرامية المختلفة من تمثيل وتصوير وموسيقى، وضوء وحركة ونغمة صوت تنسجم مع خامات بعضها البعض في كل حلقة تغلبت على الأخرى فنيًا، لنشعر أن تدرج العمل في حلقاته يرتقي إلى مستوى ذائقة الجمهور برغم تشابه بعض المواقف في قصص أخرى. إلا أنها في مسلسل "تشيللو" تميزت بالتلاحم وبالحوارات الأكثر بساطة ووضوحًا، مما ترك أثرًا رائعًا في نفس المشاهد خصوصًا مع الفنانة "أنجو ريحان" التي استطاعت إحداث نقلة نوعية في دورها عبر هذا المسلسل فقد لمسنا الخامة التمثيلية في أعماقها مع الحفاظ على الألق الذي تتميز به أو بالأحرى بشاشة الوجه والديناميكية الشديدة في إظهار التعبيرات والانفعالات دون مبالغة أو ابتعاد عن الشخصية التي تتقمصها، فدورها مع الفنان "أيمن عبدالسلام" كان ضمن مسار ثنائي مختلف معنويًا ونفسيًا عن ثنائية آدم وياسمين، فزياد أو الفنان "أيمن عبدالسلام" رفض الاستسلام لمشيئة حبيبته التي اختارت الرجل المختلف في تطلعاتها نحو الحياة، فلعبة الساحر لجأ إليها المؤلف لندرك أن أدوار الحياة هي الدراما الحقيقية التي لا يمكن فهم تركيبتها الإنسانية أو سلوكيات شخوصها الذين ينتمون إلى صراعات تثير الغموض كلما اكتشفنا حقيقة الذات التي ينتمون إليها، إن من المحامي وحبيبته التي تلهث خلف المال أو للممثل القدير "جهاد الأطرش" الذي لعب دور الراوي بخامة صوته القوية والأداء الرائع وقدرته على منح الحوار الطويل بعدًا دراميًا لا يمل منه المشاهد مع الفنانة التونسية القريبة من المشاهد بدور الممرضة ولباسها الأبيض.

"إياد الريماوي" وتأليف موسيقي متآلف مع المشهد بنغمة تحاكي الصوت الحواري بحزن يلف الهمسة الموسيقية بمسارات وتطورات تعتمد على الإشارات الضمنية وفواصل الحدث، وكأنه يؤلف المشهد الموسيقي بمعالجة درامية أيضًا ضمن محاكاة النغمة للمشهد والحدث والمعنى الذي تحمله للتأثير على الحواس إن بحزنها الوتري أو أصوات الآلات التي استخدمها، ليذكرنا بالمصير الغامض الذي ينتظر أبطال هذا المسلسل بلحن حواري تميز بتمهيد وتباطؤ وبنبرة تشكل النواة الحسية للمشهد السمعي المرافق للمشهد التصويري وللمعنى المتهادي في آن دون تشابك في العناصر الدرامية الأخرى، فهل هذا محض صدفة أم براعة الأداء الموسيقي؟

يعبّر التتر من خلال الشارة والأغنية وكلماتها المؤداة بصوت الفنان "مروان خوري" المتجاوب مع نداءات النفوس العاشقة والخائنة والمترددة وكأن الكلمات هي السنة اللهب للدخول في نيران الحلقات المتتابعة وإشاراتها الضمنية دون الوقوف عند معنى معين. إذ يكتمل جمال المسلسل بوجود الراوي وإحساسه العميق بهذه القصة الحدث الموجودة في الحياة مع كل أبطالها الذين تقاربوا وتباعدوا بتآلف تمثيلي وقدرة على تفسير حتى المشاعر التي يصعب الوصول إليها حين يتحول الغموض إلى حدث يضيف الشعور بالانتظار أو للوصول إلى حلول درامية مختلفة يصعب الوصول إليها لأننا في مجتمع مبني على هذه الصراعات المعنوية والنفسية بين الحب والمال، والإخلاص والوفاء والخيانة، والعطاء غير المشروط ببنود عقد مكتوب على ورق.

تم نشره عام في جريدة اللواء2015