"مدينة طرابلس هي ثاني أهم مدينة في العالم بعد القاهرة من حيث الآثار."
ضحى عبدالرؤوف المل
تنشط مدينة طرابلس ثقافيًا واجتماعيًا لتنفض غبار الإعلام الذي يحاول تصويرها كمدينة تحتضن الإرهاب، فهي مدينة "تضرب جذورها في عمق التاريخ، وترقى إلى ثلاثة آلاف وخمسمئة عام، حيث أسسها الفينيقيون قبل الميلاد بنحو ألف وخمسمئة عام، وتعاقبت عليها الأمم والعصور من الفينيقيين حتى الانتداب الفرنسي، مرورًا بالرومان، والبيزنطيين، والعرب، والفرنجة، والمماليك، والعثمانيين."
تنطوي الآثار الظاهرة في مدينة طرابلس الفيحاء على تراث تمتلكه المدينة من حيث القيمة التاريخية الممتدة إلى آلاف السنين، فهي الفيحاء بقلعتها على كتف نهر أبي علي، وهي الشرقية في نسائمها الناعمة بعطر زهر الليمون التي ما زالت تفوح رغم كثافة الأبنية والتغيير العمراني، وبساعة التل الشامخة في تفاصيلها وسط ساحة تعج بحركة الوافدين إليها من كل بقاع المناطق الأخرى، وحتى من الخارج، فكيف لا تستطيع مدينة تاريخية الوقوف في وجه التحديات، وهي التي أقيمت فيها "عشرات المساجد والمدارس، والزوايا، والتكايا، والخوانق، والربط، والحمامات، والخانات، والقياسر، والطواحين، ومن أشهر معالمها: الجامع المنصوري الكبير، وجامع التوبة، وجامع العطار، والبرطاسي، والسيد عبد الواحد المكناسي، وطينال، والمدرسة القرطاوية، والشمسية، والنورية..."، والعديد من المعالم التي ما زالت تحتفظ بنكهة التاريخ الذي احتفظت فيه طرابلس ضمن آثارها، وهذا ما يجعلها من المدن المهمة بتراثها الشرقي وآثارها المتعددة كالجوامع والأسواق والحمامات، وما إلى ذلك.
"ويعتبر عهد الأتراك في طرابلس أطول العهود الإسلامية التي خضعت لسيادتها، حيث امتد حكمهم نحو نيف وأربعة قرون، باستثناء ثماني سنوات خضعت فيها للحكم المصري حين دخلها "إبراهيم باشا" ابن محمد علي الكبير سنة 1832م واتخذها قاعدة عسكرية أثناء حملته على بلاد الشام وأقام فيها. وعادت إلى الأتراك العثمانيين بعد جلاء المصريين عنها سنة 1840م، ثم خضعت للانتداب الفرنسي سنة 1918م، فكانت ساعة التل آخر ما تركه العثمانيون من آثار في طرابلس." إن ساعة التل وما تحمل من أهمية جمالية إضافة إلى أنها نقطة تلاقٍ لمن هو آتٍ إليها أو راحل عنها، حيث تجمع في وسط المدينة نقاطًا مهمة، وتحتضن قصر نوفل الأثري والناشط بأنشطته الثقافية وندواته ومعارضه الفنية، فهو القصر الثقافي والإرث التاريخي إضافة إلى الأماكن الأخرى التي تحتضن الأنشطة الثقافية في طرابلس كالرابطة الثقافية، وبيت الفن، ومركز الصفدي الثقافي.
تحتاج طرابلس اليوم إلى الالتفاف حولها من كافة الأصعدة. لأنها مدينة الجمال والعلم، ولتحقيق المزيد من إبراز الجمال السياحي، يقول رئيس نادي آثار طرابلس "بكر الصديق": "يحيي نادي آثار طرابلس سنويًا يوم طرابلس حيث تقام مسيرة حاشدة ومهرجان شعبي، ومسابقة ميدانية هي الأولى من نوعها في لبنان، يتبعها عشرات الندوات والمحاضرات. كما ينظم النادي شهريًا حملات صيانة وتنظيف لأحد المواقع الأثرية إضافة إلى الرحلات المدرسية والجامعية التي ينظمها النادي للتعريف بالآثار والتراث في طرابلس، كما يهتم النادي أيضًا بالتعريف عن آثار طرابلس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فكانت صفحة النادي على الفايسبوك تقيم المسابقات وتنشر الصور.. وشارك النادي في تأسيس الحملة المدنية لإنقاذ آثار وتراث طرابلس، وأسس فريق التراث لإحصاء المباني التراثية والمطالبة بإدراجها على لائحة مديرية الآثار في وزارة الثقافة لحمايتها من الهدم أو التشويه.
وعن الدورة التي أقامها النادي في "الرابطة الثقافية" طرابلس لتخريج معرفين آثار من كل المناطق، يقول بكر الصديق: "إن أهداف الدورة هي لتأهيل معرفين في آثار طرابلس، فبناء المعرفين لآثار طرابلس هو ضمن مجموعات تقود رحلات في لبنان، ومن خارج لبنان لتعريف الناس على أهمية آثار المدينة وتراثها. كما أن هناك تعطشًا عند الناس لمعرفة المزيد عن آثار هذه المدينة التي تحتفظ بعبق التاريخ. لأن مدينة طرابلس هي ثاني أهم مدينة في العالم بعد القاهرة في الآثار، وهذا ربما غاب عن أهل الفيحاء. أما خلال نشاطنا كنادي آثار طرابلس، نحن نشعر بوجود اهتمام جيد عند الناس، فالنادي أقام هذه الدورة لتحفيز البعض على معرفة المزيد عن تراث هذه المدينة الجميلة. كما أننا ندعوهم لزيارة مدينة طرابلس ليكتشفوا جمال هذه المدينة، ويصححوا صورة هذه المدينة المشوهة في الإعلام بشكل كبير جدًا، هي ليست مدينة القتل والإرهاب والتعصب، هي ليست قندهار، هي طرابلس التاريخية، فعمرها أكثر من 3500 سنة من تاريخ الفينيقيين وحتى اليوم، هي منفتحة ومعتدلة، مدينة العلم والعلماء، ليتعرفوا على مجتمعها المتعايش بمحبة."
إن ما يقوم به "نادي آثار طرابلس" من تأهيل معرفين سياحيين من كافة المناطق عن الآثار الطرابلسية هو بمثابة علاقات تعنى بشد أواصر المدينة، لتستقبل السائح الآتي لرؤيتها ولمعرفة آثارها. ولإظهار قدرات معالمها السياحية التي تحتاج إلى محو الأفكار المغلوطة، والصور الإعلامية المشوهة بحقها، فهي المدينة المشبعة بالأثر الحي النابض بين أحيائها وفي أسواقها ومساجدها، والمتزين في معالمها المكتحلة بمحبة أهلها من كافة الطوائف والمذاهب، وقد لعبت دورًا مهمًا عبر التاريخ، وما زالت حتى الآن تمثل القلب النابض بالحياة للبنان.
تم نشره عام 2015 في جريدة اللواء لبنان