لغة رمزية تتضمن معاناة الإنسان عامة والفلسطيني خاصة

ضحى عبدالرؤوف المل

يتحرر اللون الأحمر ليمتد على قماش الوسادات في سجن عسقلان، أو بالأحرى تمزق أقمشة الوسادات كي لا تنام العيون قريرة إلا بعد أن ترسم الأنامل معاناة شعب فلسطين، ومعاناة الإنسان المقيد أو المأسور في سجون لا عدل فيها. إذ ترتسم المعاني على أقمشة تحمل رسائل إلى شعوب العالم بقوة اللون والتعبير القادرة على جعل المعنى هدفًا يصل إليه السجين جوهريًا، وإلى حواس كل من يرى ويتأمل ويتفكر. فرسومات الفنان "زهدي العدوي" (Zuhdi Al Adawy) هي نزف يدمي القلوب ويضع الفكر أمام الرموز التشكيلية التي تجسد الواقع، إن بزمن ماضٍ أو حاضر. إلا أنها تؤرخ للحظة أحس بها الفنان، وتسربت إلى قماش مخدته لتصبح لوحات تنادي بالحياة للإنسان عامة.

ما بين الدال والمدلول في لوحات الفنان "زهدي العدوي" لغة رمزية تتضمن معاناة الإنسان عامة والفلسطيني خاصة. حيث تخضع لوحاته لمنطق الصورة التخيلية المحسوسة عن الواقع المرئي الذي يجمعه في ذهن لوحة تنقسم لغتها التشكيلية إلى معنوي وجوهري، وموضوعي، وبنظم سردية ذات جماليات تتعلق بهيمنة الصراعات الإنسانية على رؤيته التي يجسدها من خلال مشهديات اللون والشكل والمعاني الدلالية المؤكدة على صدق الحدث الذي يترجمه بسمات ترتكز على جوانب فنية عديدة لها معانيها ومفاهيمها البصرية، التي تجعل منها رسالة تحاكي الشعوب بما تتضمنه من تصوير تخيلي زاخر بالمكونات والخصائص الفنية.

يربط الفنان “زهدي العدوي” بين اللون والزمن، والحاضر والماضي، محاكيا المستقبل بلهجة الحكاية أو السرد البصري التصويري، مع تباين أساليب القهر والظلم والاستبداد التي تمارس بحق الإنسان. فاللون الأحمر المهيمن على أغلب اللوحات هو الغضب الكامن في النفس من قيود يراها عبر خطوط مستقيمة عامودية ذات مدركات حسية، يلتقطها الوجدان بسلاسة بصرية خاضعة إلى إضافات وظيفية لها جمالها وشواهدها التي تتيح للتنوع نوعًا من المحاكاة المستترة، رغم وضوح الدلالات في الأشكال التي يرسمها الفنان "زهدي العدوي"، تعبيرًا عن واقع مجتمعي وسياسي تمارس فيه شتى أنواع عذابات الإنسان، وحتى أحلامه التي يتصارع معها ويحاول تحقيقها بشتى الطرق، وإن بالفرشاة أو الأصابع والألوان وأقمشة الوسادات الممزقة التي استطاعت الهروب من سجن عسقلان والبقاء ضمن ذاكرة الفن التشكيلي.

تعزز الألوان في لوحات الفنان "زهدي العدوي" المضمونَ بإثراء الجوانب الرمزية من حيث اختلاطات الألوان النارية الفاتحة والمتوهجة بالقوة، وبتفاعلات تقنية تسرد الحدث بأشكال تتعلق بتساؤلات فكرية ذات صيغ لها مساحاتها البصرية وفراغاتها المتروكة، لبث وجدانيات هادئة تترك الفكر في حالة تحليلات تتمثل بنوعية الموضوع المرسل أو أهداف الرسالة البصرية المرسومة كمشهد تشكيلي مبني على رمزية الواقع ومعناه، والألم الذي تحتضنه اللوحة في ألوانها للولوج بشكل تخيلي نحو ما هو مخفي في الصورة التي لا يمكن رؤيتها مباشرة والموجودة في ذاكرة كل سجين في سجن عسقلان، حيث تمزقت أقمشة الوسادات وأصبحت أسسًا لوحات تشكيلية يراها البصر بفكر ارتبط بحركة اللوحة في الخط، واللون، والمساحة، والفراغات، والفواصل، والتفاصيل الرمزية لكل شكل وحركة وضوء.

حنين إلى الوطن والعودة، وامرأة هي فلسطين، ولون هو قاعدة البناء للوحة متماسكة بموضوعها وموضوعيتها، والسمو اللامتناهي مع اللون والحركة والضوء والظل، وفطرية رسومات تخرج من جوهر المعاناة الإنسانية للإفصاح عن مكنونات الأسرى الذين يحلمون بفلسطين محررة من كل ظلم ومن شعب أحب العيش في وطنه بسلام. إذ تتشظى الخطوط وتمتزج الأشكال ببعضها أحيانًا بهدوء فراغي، وأحيانًا تكتظ المعاني تبعًا لقوة الانفعالات التي تترجم أحاسيس الفنان بخصائص تشكيلية تعكس موقفه والخصائص البصرية التي يريد إيصالها للمتلقي بمصداقية السجين والمناضل والمدافع عن قضية فلسطين.

أعمال الفنان "Zuhdi Al Adawy" (زهدي العدوي) من مجموعة متحف فرحات.