يوميات زوجة مفروسة أوي بقالب كوميدي ذي نقد اجتماعي

ضحى عبدالرؤوف المل

الاختلاف في المواقف الفكرية والأيديولوجية يتخذ شكلاً ثنائياً بين زوجين صحفيين في مسلسل "يوميات زوجة مفروسة أوي" للمخرج "أحمد نور" الذي استطاع خلق حبكة تمثيلية لشخصيات كوميدية متناغمة مع الفنان الكبير "سمير غانم" والقديرة "رجاء الجداوي" في دراما كوميدية اجتماعية تعالج بطروحات عصرية حياة فرضت نفسها على المجتمعات العربية بشكل عام والمصرية بشكل خاص. رصدت من خلاله المؤلفة سلوكياتها وعاداتها واجتماعياتها ضمن عائلة مثقفة تعمل في الصحافة التي تظهر نوعية الفكر الاجتماعي المتناقض بين الزوجين والذي تمت معالجته بأسلوب كوميدي حركي يعتمد على إظهار الانفعالات بتحرر من قيود الشخصية مع ممثلين برعوا في الأداء والتعبير، حيث بسط المخرج نفوذه السلس بعمق أظهره مع كل شخوصه الذين تميزوا بالتعايش والتفاعل مع بعضهم كأسرة واحدة، ما رفع من قيمة التأثر عند المشاهد الذي لامسته القضايا المطروحة بحنكة وبتخصص نفسي اجتماعي قادر على معالجة المشاكل التي يتعرض لها كل من الزوجين.

استطاعت المؤلفة "أماني ضرغام" تذليل الصعاب والتمسك بالعادات والتقاليد في زمن عولمة مفتوح على بعضه حتى بالنسبة للأطفال واحتياجاتهم، والمرأة والرجل في فترات عمرية مختلفة بمجموعات انتزعت منها درامية المشاهد وحولتها إلى كوميديا، رغم أنها تفتح الجرح وتبلسمه بفن نجحت به من خلال السيناريو والحوارات ذات النكهة المخصصة. تميزت "داليا البحيري" بمفاجآت أثارت دهشة المشاهد من حيث الشخصية الكوميدية التي لعبت دورها بميزة وفن، متخطية مخاوفها من الكوميديا، إلى جانب الفنانة القديرة "رجاء الجداوي" والفنان الكبير "سمير غانم". فالبنية الاجتماعية والنفسية لشخوص المسلسل مقنعة حتى بسلوكياتها التي تلاعبت بها المؤلفة مع المخرج وبتوافق تمثيلي وسياق اجتماعي له بنيته النفسية المثيرة للإقناع ودون قمع إخراجي يسلب من النص قيمته الكوميدية أو الاجتماعية. فالمسلسل تناسب مع الشهر الكريم، حيث بث الضحكة الهادفة بقالب كوميدي ذي نقد اجتماعي وتحديداً للأسرة وأنواعها المختلفة، بدءًا من العلم والثقافة وصولًا إلى ناطور المينى الذي يقطنه الجيران وصاحب السوبر ماركت، ليعيد بذلك قيمة الجار ومشاركته الأحزان والأفراح.

أفكار عديدة كامنة خلف الضحكة، والتي تعالج في معطياتها أصل الكلمة والفعل والصورة الإعلامية المغلوطة منها والصحيحة، كما في الفنانة "إيمان السيد" والكاريزما الخاصة بها، التي تذكرني بالقديرة "ماري منيب"، حيث تنتقد في بعض المشاهد البرامج التي تسلط الضوء على المشاكل الأسرية أو غيرها دون الاهتمام بمصداقية الحدث وعلاجه بتسويغ بين ما يقال وما لا يقال. وبدلالات لفظية ذات واقع يفرض أشكالاً ترتبط بروابط اجتماعية تتخذ في كل حلقة موضوعًا مخصصًا له فنيته وكوميديته المتسلسلة بسلاسل أدبية تتخذ صفة الصحافة وتأثيرها على المجتمع بمحاكاة لم تتوانَ المؤلفة في تقديمها ولا المخرج في تصويرها، ليخرج بحلقات نستمتع بها وتبث نوعًا من المداواة التي نتمناها، سواء من حيث طرح المشكلة أو إيجاد حلولها أو تركها مفتوحة على وضعيات اجتماعية تتناسب ونوعية المشاهد المختلفة. فهل استطاع مسلسل "زوجة مفروسة أوي" جمع المشاكل الأسرية والاجتماعية في الوطن العربي وبلهجة مصرية محورية في مسلسل تميز بكوميديا تخطت حدود الكاميرا وقدرات المخرج وحتى النص لتتفوق إيجابياته على هفوات التصوير التي كانت بمثابة العين اللاواعية؟

"لحد إمتى رح تمسكوا بالتفاهات وتسيبوا الآفات" هي ومضات ذات مغزى ومعنى ومبنى تقود الفكر نحو سلبيات المجتمع الذي نعيش فيه دون الغوص بعمق الأحداث أو حقيقة الخبر وما وراء الحدث ضمن نقد لصحافة وبمسارات تشبه يد الساحر التي تركت المشاهد بين الضحكة والموقف يستخرج الفكرة ويعالج الحدث برؤيته الخاصة المحاكية لمبررات نصطنعها، لنبتعد عن الحلول محاولين إطالتها لتكون سمة الحياة التي نشكو منها، والتي لا تحتاج إلا لإعادة النظر في العديد من المواقف التي تفتت الأسرة وبالتالي تصيب المجتمع بشرخ يصعب مداواته. فهل أرادت أسرة مسلسل "زوجة مفروسة أوي" إعادة برمجة الأسرة أو تحديثها لتكون ضمن مجتمع معاصر بعيدًا عن السيناريوهات التي تم اكتسابها ونقوم نحن بتمثيلها على مسرح الحياة الذي فتحته المؤلفة "أماني ضرغام" والمخرج "أحمد نور" في شهر رمضان الكريم وضمن برنامج درامي كبير يضع هذا المسلسل على سلم التفرد ليكون بمثابة المسلسل البناء والهادف وبنوعية فنية تتميز فيها العناصر الكوميدية القائمة على المبالغة الممتعة والابتعاد عن التسبب بنفور المشاهد دون أن ننسى أغنية الشارة ومعاني كلماتها للشاعر "أيمن جودة" المبنية على استنتاجات تضفي نوعًا من التخيلات عند انتظار البداية والنهاية، وهي من ألحان "مصطفى محفوظ" والموسيقى السريعة النغمة.

حلقات تلفزيونية بعناوين مختلفة من "شكل الأستاذ بقى منسجم" إلى أكثرها قوة بمعناها التخيلي، ولم تفقد وقارها ولا أصابها الروتين والملل حتى الآن، ولا وهجها الكوميدي الهادف إلى تصوير أخطاء أفراد الأسرة، ومنها إلى المجتمع المحيط بكل مكوناته الطبقية ومكنوناته المتناقضة أو المتضاربة مع بعضها، وبوجهين المضحك المثير والمبكي المفرح أو شر البلية ما يضحك. بدغدغة شفافة لمشاعر المشاهد الذي يلامس حيثيات كل حلقة وأهدافها الاجتماعية عبر ضحكة ذات صياغة كوميدية منسوجة ببراعة ذات مصداقية يعايشها المشاهد عبر كل حلقة، التي فتحت حوارات معه بشكل حيوي دون مباشرة ومواجهة، بل من خلال وجوه استطاعوا مزج الضحكة بالحركة التعبيرية المدروسة، وحتى الأطفال منهم الذين استطاعوا تخطي صعوبة الأدوار المنوطة بهم. فالرؤية العامة لهذا المسلسل تغلغلت مع رؤية المشاهد ويومياته بنكهة رمضانية محببة كوميدياً.

تم نشره عام 2015 في جريدة اللواء