مباغتة
ضحى عبدالرؤوف المل
تأكدت أن "أليس" لم تكن يومًا في بلاد العجائب لولا شيطانات الخيال التي تلهو بها أحيانًا، وهي تلمس رأس حبة البلوط المستديرة المعلقة في سلسلة مفاتيحها. وتسمع السمفونية السابعة لبيتهوفن بحركاتها البوهيمية الأربع، وسرعة الإيقاع المنتظمة الطاغية على السمع بترتيب لكل نغمة تخرج من الفلوت والكلارينيت والآلات الوترية ذات الأقواس وغيرها. أخذت شهيقًا غير اعتيادي من نسمة اخترقت حاسة الشم، واستقرت في قعر القلب المتوجع من الاشتياق. أوقفت السيارة وترجلت منها لتتجه نحو قبر السائح الواقف على تلة تطل على بيوت صغيرة يغمرها الضباب في مشهد ارتشفت منه قوة موسيقية بصرية لا مثيل لها. بينما حبات البلوط المتدحرجة حول القبر تعيد الحياة إلى جسد بارد لا يحتاج إلا للمسة صوفية من يد مباركة تنتشلها من وسوسات النفس المباغتة بعد أن ساعدتها السمفونية السابعة لتفجير الحركة الساكنة في كيانها.
تنحنح وهو يقترب منها محافظًا على مسافة ما بينهما كي لا يخيفها أو أن تشعر أنه يصطاد حرارة عصافير تستقبل الخريف، وهي لا تدرك أن نهايتها اقتربت. تأكد أنها عصفورة لا يمكن تصويب البندقية نحوها لتسبق رائحة البارود الدم الذي يغلي في عروقه. من مشهد عصف بحواسه ودفعه إلى الاتجاه نحوها برغبة استفزته لمعرفة من تكون. انحنى يلتقط حبات البلوط المتناثرة على الأرض ويضعها في جيب سترة الصيد مع خرطوشاته الممتلئة بما يكفي لقتل عصفورة تطلق عنان جناحيها لطيران على علو منخفض يلامس غصون الأشجار بأوراقها الخريفية التي تتساقط وتمنح الأرض صفرة برتقالية لا تشبه أخضرار حبات البلوط التي ما زالت ترنو للحياة.
لاحت منها نظرة غير مبالية به، وهي تلملم حبات البلوط عن الأرض وتمسحها بأطراف أصابعها وبرقة متناهية، مما زاد من انفعالاته وهو يسحق عقب سيجارته بجذع شجرة البلوط تاركًا تصفها الآخر المتبقي يسقط على الأرض كالجسد المتهاوي بين يدي تتلقاه بحفاوة. استقامت لتعيد ترتيب فستانها الذي ارتفع قليلا ليكشف عن ساقيها بعد أن شعرت بنظرات تلفها كعطر الشانيل الذي يعشش في جسدها، محاولة العودة إلى سيارتها الواقفة كالزمن الذي تجمد فجأة من رجل اعترض سيرها. حاولت الإفلات منه كما أفلت لويس كارول من الواقع مخترقًا بلاد العجائب من أجل فتاة صغيرة أصابته بتوحد فكري.
قالت الشجرة المثمرة صيفًا: ماذا عن الخريف وما بعده؟
قال: زهرة الميلاد تولد في الشتاء حمراء تشع بالحياة وهي أجمل الزهور.
أدارت ظهرها والجسد يتلوى كحركات السمفونية السابعة التي تنبعث من السيارة الواقفة كالزمن الذي تجمد فجأة، وهي تقول: "هذا إطناب وإن حمل نكهة جبر الخاطر".
قال لها بصوت مرتفع: هذه مباغتة ولا أدري من الذي باغت ومن المباغت؟
تم نشرها في جريدة اللواء عام 2016