المتحف الذي يحفظ تراث الفنان "جميل ملاعب"
ضحى عبدالرؤوف المل
يهدف متحف الفنان "جميل ملاعب" إلى توثيق فني للوحات ذات قيمة جمالية تحمل في طياتها رسالة فنية، يؤطرها بنكهة لبنانية بحتة تضاعف في مغزاها الرؤية العالمية للأعمال اللبنانية، القادرة على بناء الجسور للعبور نحو مدارس متعددة، وعلى جعل الأعمال الفنية مفتوحة بشكل عام على جمهور يتطلع إلى التراث الفني التشكيلي الخاص بزمن معين. كما يحتضن المتحف المزيد من الأعمال الفنية التي تجمع عدة انطباعات لها استقلاليتها المتعلقة بالحدث الذي تحتفظ به كل لوحة من لوحات الفنان "جميل ملاعب". فهل من تطوير لهذا المتحف الذي يحفظ تراث الفنان "جميل ملاعب" وريشته التي تابعت فترات الحياة المختلفة من لبنان الماضي وصولًا للحاضر اللبناني؟ فهو من يقص القصص التشكيلية بموقف وحدث وريشة وألوان، مما يساعد في تتبع مراحله الفنية الخاصة وتطورها. إذ يروي الفنان "جميل ملاعب" بصريًا الحكايات اللبنانية بجمالياتها وطابع الأماكن المتزين بالطبيعة دون أن يتخطى التغيرات الحسية التي يمر بها الإنسان مع تقدم العمر، وتحتفظ بها الطبيعة التي يرسمها تبعًا لأحاسيسه ولمخزون الذكريات المختبئ في اللوحات.
حكايات من الأرض والإنسان والطبيعة، والمرأة بشكل خاص، بتوأمة مع الطبيعة والطير. ليجمع اللون الأبيض معاني الحياة التي يبحث فيها عن الصفاء الطفولي، سواء على الخشب أو على الحجر أو حتى على القماش المندمج باللون والحركة والشكل دون أن يكرر ذاته، لتشعر أن كل عمل له ماضيه وحاضره، وحتى عزلته كالطيور على الأشجار والمرأة المستلقية، وغير ذلك من التحديث الذي يلجأ إليه تصويريًا. ليحكي حكاية المرأة والطير والطبيعة، والمجتمعات القروية أو في مدينة تحمل ألوانها من الصخب اليومي ما يحمله "جميل ملاعب" في جعبته الحياتية الغنية، متنقلًا بين الحفر والنحت والرسم، كالمتنقل من مكان إلى مكان. ليجدد الحس ويبتعد عن الروتين، ليصبح ما جمعه في متحفه مسيرة حياة يرويها عبر لوحات ومنحوتات ومحفورات تجسد رؤيته الفنية الخاصة.
تحاور لوحات الفنان "جميل ملاعب" الإنسان ليشعر من يدخل إلى المتحف أنه الفلاح والعصفور والمرأة، وأن القرية اللبنانية غنية بجماليات لا يمكن نسيانها، كما أن الطبيعة اللبنانية احتفظت بأركانها الحيوية التي يعيدها ملاعب إلى صوابها متحررًا من اللون بالحفر ومتحررًا من الحفر بالنحت، لتكوين ثلاثية لا جدلية فيها، بل تتميز ببساطة النظرة الفنية وعمق بصيرتها. إذ يستجيب للتنوع بضبط إيقاعي منبعث من التفاصيل التي يحفرها أو يرسمها أو ينحتها، ليوثق المشهد بتصويرات لها أركانها وأسسها التي يمكن أن تكون مادة أساسية لبحث فني يرتكز على جمالية الفن التشكيلي اللبناني في متحف الفنان "جميل ملاعب" وأهمية ذلك للباحثين عن الطابع الفني في حركة الحياة اليومية.
ما بين المرسم والمتحف، ولادة واستدراك لتأملات مرتبطة من الفنان والمتلقي، وما هو خارج وداخل من أحاسيس تجتمع في لوحة تستقر في متحف له زواره ومحبيه، وأهمية لا بد أن توثق أيضًا في متحف افتراضي له إمكانية الوصول إلى أنحاء العالم الافتراضي بشموليته، لتكون المادة الفنية في المتحف شبيهة باللون والخط والضوء والظل، والمحاكاة البصرية غير المحدودة، بل المفتوحة إلى ما لا نهاية وبزمنية يتم تحديثها بمتحف على الأرض ومتحف افتراضي. فهل يمكن توثيق المتحف افتراضيًا أيضًا يومًا ما؟
تم نشره في جريدة اللواء 2016