بساطة فنية في عمق رؤية تدل على التأثر بالطبيعة ومعانيها
ضحى عبدالرؤوف المل
تثير الفنانة "فتاة باحمد" (Fatat Bahmad) طبيعة اللون ومعناه الداخلي والخارجي، لتحاور بتساؤلاتها التشكيلية الإنسان وطبيعته الذاتية الخاضعة للاستمتاع بجمالية الصورة أو المشهد أو المقتطفات التي تفوح بالحيوية والتآلف، والانسجام البصري المتوازن مع خصائص اللون وتناقضاته التي تنعم بظلال الضوء، وخصوصية فلسفية عميقة في تجلياتها الطبيعية والعاطفية المتحررة من الانفعالات بعقلانية، تسمو بنا حسياً وتتجاوز حدود اللوحة، لتتكون طبيعتها المتخيلة تبعاً للصورة الداخلية التي ترسمها الفنانة "فتاة باحمد" بإشباع لوني كثيف المعاجين وبتراخي في جوهر المعاني المنسابة في عالم المثل التشكيلية المنسوجة بدفء وشاعرية وتناغم بين الشكل واللون.
توافق سلس مع الطبيعة وتآخي مع المساحات اللونية المزركشة بأزهار تتناغم خطوطها وسماكتها مع شفافية حسية تستثيرها ريشة الفنانة "فتاة باحمد" ومصطلحاتها التي تشع بالرومانسية والانطباعات الساكنة، المستمدة من الحواس المرتبطة بالعناصر المتشابهة أو التكرار الإيقاعي المتماثل مع الطبيعة وموتيفاتها المزدهرة بالحياة، وبجمالية التجدد اللوني المتغير في انطباعاته المتأثرة بالظلال والضوء، مما يدفع إلى تأمل اللوحة والإحساس بها استطيقياً للارتقاء باللون وقيمته والشكل، ومعناه نحو المفهوم البيئي في الطبيعة البكر وجمالها الخاص.
أنماط معينة من الأشكال زركشتها "فتاة باحمد" برقة يستجيب لها المتلقي بحساسية فنية تتوافق مع الرؤية الانطباعية أو التعبير أو الحركة أو السكون أو نارية لون ما أو برودة تحتاج لأبعاد وفراغات تتهيأ فيها الجوانب الوجدانية بدينامية وتحليلات مجازية للظل واتجاهاته. لتتكون الخطوط وفق انزياحات نسبية ومألوفة تعكس المشاعر بتلقائية تأملية مدفوعة نحو الألوان وتضادها، وتدرجاتها مع الحفاظ على نسبية الفاتح والداكن عند حدود الظل بتصوير انطباعي ذي طبيعة تتوق إلى التحرر والانفلات من العتمة والضوء، لتحتفظ بدرجة جمالية لها فلسفتها ووجودها في عالم اللوحة التشكيلية التي تتركها الفنانة "فتاة باحمد" تحتفظ ببكارتها الفنية وزركشاتها، كتطريزات لونية تنمنم بها وجدانياتها الشاعرية المتدفقة.
حالات خاصة تعيشها "فتاة باحمد" بخريشات تنفصل عن المساحات، وعن خطوط تكوينية تزدهر بنوع من مفاهيم سايكولوجية تعصف بالمسافات والاندماج بالألوان التي تحتاج إلى تذوق بصري مبني على تفاعلات عفوية في تطلعاتها الفنية إضافة إلى رؤية تتوحد مع الأشكال على نحو إيقاعي حركي وموسيقي في طبيعته المثيرة للجمال البسيط أو السهل الممتنع بتشابه، واختلاف يعتمد على تكنيك خاص وارتقائية في الأسلوب السردي للون وطفوليته النابعة من المخزون الشاعري أو الوجدان الغني بترجمات بصرية قوية تسطع في جوانب اللوحة حيث تتفاوت الخيالات في اعتدال هارموني قائم على أساس الطبيعة والمشاهد الحيوية فيها. إن من حيث استفاضة اللون أو من حيث التعرجات ذات السماكة الإيجابية في التشكيل، وسلبية العناصر الأخرى المحاطة بهالة تكوينية ذات بساطة زخرفية تعكس أهمية الإحساس بالطبيعة، والتحرر الكلي من مادية اللون وقوانينه في المزج والتشكيل.
بساطة فنية في عمق رؤية تدل على التأثر بالطبيعة ومعانيها الكامنة في فكرة الجمال النابع من الحياة نفسها، بذاتية يجمعها اللون في بوتقة الخطوط، كخيوط تزهر تدرجات متعددة في اللون الواحد وحساسيته مع الضوء الذي سخرته الفنانة "فتاة باحمد" ليبدو مع فواتح اللون وميلان الخطوط، كحركة نحافظ من خلالها على توازن اللوحة وشاعريتها ورهافة الأداء في التكوين الشكلي، لكل جزء من لون أو تغريدة ذات فراغ تدعو إلى التأمل، ولفتح الآفاق نحو استدلالات تتناسب وبموضوعية مع الشكل واللون، والمساحة، والفراغ، والتكثيف الجوهري لمعنى الفن والطبيعة والجمال.
تم نشره في جريدة اللواء عام 2015
ضحى عبدالرؤوف المل