تموّسق فني يكشف عن معانٍ نفسية ونواحي جمالية

ضجى عبدالرؤوف المل

تتنوع الألوان الداخلية في أعمال الفنانة التشكيلية "باسكال مسعود" (Pascale Massoud)، فينتج عنها حركة لونية ذات موسيقى تمتلك مفاتيح نغماتها البصرية بشاعرية وفلسفة تتخطى من خلالها حدود اللوحة لتفتح فضاءات المخيلة نحو علاقات سيميائية وإيحاءات ذاتية وخصائص فنية ذات سمة ديناميكية، كأنها تربط بين الذات والآخر بموضوعية وصياغة تعبيرية لها تجريدها الذي يعصف بالذهن. إن من حيث الداخل أو الخارج أو الحدود اللامتناهية المسبوغة بتحليلات نفسية ونواحي جمالية مختلفة في مضمونها وأسلوبها، فالألوان غارقة في الشاعرية، والحركة فلسفية في اتجاهاتها البسيطة والعفوية، متخذةً من التجريد تعبيرات تتصف بإحساسات غامضة تترجم الذات الإنسانية، والانفعالات المرتبطة بالحياة.

تناسب لوني عفوي منسجم مع الرؤية الفنية التي تقدمها الفنانة "باسكال مسعود" في لوحات تتصف بالحيوية، فطبقات الألوان تعتمد على إبراز الحركة باتجاهات الريشة التصاعدية غالبًا، وبعمق فني يهدف إلى خلق أبعاد ظاهرة هي مجموعة حزم لونية تؤلف منها سمفونية بصرية تلائم طبيعة اللوحة وتكويناتها المتناغمة مع الشفافية الضوئية، وسماكة المعاجين أحيانًا أو أبعاد الألوان واندماجها مع الخطوط الخاضعة لحرية الريشة وكيميائية التأليف الفني. والانعكاسات التجريدية توحي بطبيعة النفس وقوتها في خلق كينونة تترجم من خلالها أفكارها بخاصية لها إيجابياتها وسلبياتها تبعًا للمتلقي وما يستقرأه بصريًا من مفاهيم حياتية تتناقض فيها المعاني، وتضاد معها الألوان الفاتحة والداكنة بحرارة وبرودة، وثنائية مشبعة تشكيليًا بالضوء ومعادلاته اللونية.

تختزن الألوان التجريدية المتحررة من قيود ذي مقاييس تتشظى فيها الاتجاهات والمعايير، والمعاني عمقًا نفسيًا تترجم من خلاله الفنانة "باسكال مسعود" مشاعرها وفلسفتها بتوازن فني ذي أضداد فكرية تسترسل خطوطها مع المشاعر المنسابة ببنارميا لها معانيها الرومانسية، الغارقة بإيحاءات تلهب المشاعر المتدفقة من الألوان الحارة، والانسياب التشكيلي المتماثل مع فلسفة الشكل الوهمي المخفي ضمن خطوط اللون والتكرار بمعاييره الجمالية المتوافقة حسيًا مع عقلانية الرؤية وتكويناتها. إذ تحتدم اتجاهات الحركة بين صعود وميلان أو بين عامودي ومنحني، مسخرة العاطفة والقساوة، لمفهومي القساوة والليونة والسلاسة المرتبطة بحوارات الألوان مع بعضها، وجدلية الخطوط والشكل عبر تجريد ينبثق عنه صياغات تتشابك فيها التصورات التخيلية مع فراغات اللون المرتبطة بالأبيض المتوافق مع الألوان كلها.

تراكيب لونية فنتازية تبعث على الحيوية والنشاط، والتفكر بمعنى الشكل واللون ودلالات التناغم بثنائية الحزن والفرح، والانزياحات الأسلوبية التي ترتكز على التنوع التجريدي البسيط والعفوي، المنبعث من النفس وانعكاساتها على الحركة الداخلية والظاهرة عبر سمفونية زاخرة بالألوان تكشف عن لغة تشكيلية ذات ثيمات مشحونة بتعابير جمالية توحي بقيمة الحياة وتناقضها داخل كل منا. إذ تضئ خطوط اللون فراغات الزمن المتحرر من المكان، والمقيد مع خطوط الطول القادرة على جذب البصر عبر ليونتها التصاعدية المتمثلة بتغصنات لها أشكالها الإيحائية الشفافة والمباغتة في بعضها، حيث تبدو حالمة في تلاشيها وسردية في تجريدها وذاتية في خلق صورها الموغلة حسيًا في لوحة تفيض منها المشاعر الجمالية والفنية.

حنين وهواجس تطوع انفعالات توقظ الحواس وتثير المشاعر الوجدانية المحاكية للنفس، فالحركة تغلب السكون بضوء له معانيه المرتبطة بالشكل والظل والتحرر من الذات نحو ذاتية اللوحة وموضوعيتها في آنٍ. مضامين بصرية تتجدد عند التعمق حسيًا بمعنى اللون لتولد الخطوط تبعًا للحس التجريدي والإدراك الوجداني المرتبط بموسيقى اللوحة وجماليتها المتميزة بفرح وحزن، تشابكت من خلالهما التدرجات الداكنة والفاتحة ومستويات الخطوط تاركة العواطف والإحساسات للفراغات واللون الأبيض.

تمشط ريشة الفنانة "باسكال مسعود" الألوان برقة فنية لها أنثيالاتها الزمكانية الموصولة بالحالة الذاتية المترجمة للمشاعر الجمالية ذهنيًا وتخيليًا، لينشأ الشكل الفنتازي دون مبالغة نرجسية وبمحاكاة لونية محبوكة بصريًا بالأبعاد وبرؤية الذات الخاصة بكل لون يميل إلى الغوامق والظل، وبتوافق حسي فني ذي تدرجات بصرية قادرة على دمج طبيعة اللون مع اتجاهات الخط اللوني كموسيقى هامسة، وبمجازية تساعد على انسياب المعنى مع كل لون منفرد ومتآخٍ مع غيره وإن بتوهج وخفوت، وبترابط لوني مع الحالة النفسية وانطباعاتها التجريدية المترجمة بانعكاسات ذات اشتداد وتراخي، وتموّسق فني يكشف عن معانٍ نفسية ونواحي جمالية تثير التأمل والتفكر.

تم نشره في جريدة اللواء عام 2015