تساؤلات ذهنية تعصف فنياً بالمتلقي وبكونية الوجود وعدمه

ضحى عبدالرؤوف المل

ينطلق الفنان الإيطالي "ساندرو سانا" من البنية الأساسية وأشكالها المرئية واللامرئية المحددة بصياغة تتميز بمعطيات كونية تتسامى بتغيراتها نحو فضاءات لامتناهية، مغمورة بتناقضات تهدف إلى خلق قوى ماورائية تندمج بشكل جزئي مع الأطر اللامرئية الموحية بطاقة سلبية وإيجابية تؤثر بصرياً على الإنسان، والمتمثلة بمفاهيم رياضية يتركها للتفكر والتأملات الخاضعة للتوازن الذاتي المتعلق بمفاهيم الفناء والوجود، محاولاً اكتشاف ما هو غير مرئي. يضع البصيرة أمام حقائق كونية لا بد من تحفيز دلالاتها برمزية هندسية للتقرب من المقاييس والأبعاد، وفك المعاني الهندسية التي ترتبط بتحديات الأشكال وطبيعتها الجمالية التي تكتسب في لوحة الفنان "ساندرو سانا" بعداً فنياً لا متناهياً يتصارع بين المرئي واللامرئي، لينتج تساؤلات ذهنية تعصف فنياً بالمتلقي وبكونية الوجود وعدمه، تاركاً للبدايات والنهايات نقطة وهمية سابحة في فضاءات متخيلة ولا متخيلة. لينحاز إلى الوجود بين ما هو واقعي وما هو تجريدي نراه كونياً في كل ما حولنا.

سمة جوهرية هي أصل العوالم الحقيقية التي يبحث عنها "ساندرو سانا" من خلال الفن البصري وأشكالها اللامرئية، وانعكاسها المرئي على الأشياء، لتتجلى الحقيقة من خلال الأبعاد التي يتركها سابحة في فضاءات انعكاسية تثير جدلية هندسية هي الأصل المطلق للأشياء التي يفتحها ويغلقها تبعاً لتقنية تتضاد فيها الخطوط وتؤثر على حركة البصر عبر متاهة وهمية يصنعها من خلال الخطوط، والتلاعب بها رياضياً بمسحة تجريدية هندسية تدعو إلى التأمل الجوهري بالتكوينات المختزلة والمركبة سلباً وإيجاباً. وبتطور رياضي يتجلى بصرياً كلما ابتعدنا أو اقتربنا من اللوحة حيث تظهر قيمة المتسع والضيق، والتباين المفاهيمي للألوان وخاصيتها التي يستخدمها تبعاً للحركة وسكنات الخطوط الأفقية وتعرجاتها المخفية في مساحات تحتوي على صراعات المفاهيم الهندسية والرياضية، كونها تشكل البنية الأساسية للوحة فنية هي محاكاة فلسفية لعوالم لها أصولها الكونية المبنية على قياسات تشتت البصر وتعيده وتتركه في حالة نشوة فنية ثابتة فكرياً، لها شموليتها وجزئياتها من حيث مفهومي الحركة والسكون، والعتمة والضوء، والكتلة والفراغ.

ما بين اللامرئي واللامحدود يتناول الفنان "ساندرو سانا" فكرة الوجود والتحليل المنطقي للعدم، لتتكون الحركة من خلال إيقاعات حسية يعتمدها كوسيلة تعبيرية عن منطق فني يتجلى في اهتزازات فراغية تتشابه بين المعلن والمخفي أو الوهمي والموجود، تاركاً لمتاهة الفكر لذة الاكتشاف، لأن الإيحاءات الهندسية والرياضية التي ابتكرها في اللوحة تحاكي بعقلانيتها الأطر الجمالية وإشكالية الثابت والمتغير لما هو مرئي ولامرئي، كالحياة والموت وماورائية الحس الفني المتوازن في رؤاه وفلسفته التي تضع العقل أمام تساؤلات تعصف ذهنياً بالمتلقي.

أشكال هندسية صاغها الفنان "ساندرو سانا" تجريدياً بنسج فني ديناميكي متحرك وساكن يؤدي إلى خلق رهبة ورغبة في التغلغل إلى عمق الخطوط ومعانيها، لتكوين تأثيرات فنية تختصر بملامحها الحسية الأبعاد المخفية والظاهرة، وبغنى مضموني ذي تقنية دقيقة في حساباتها الانعكاسية من حيث الخطوط الأفقية، وحيوية الأشكال المصقولة فنياً لإضفاء صفة وجودية ذات أصول تتشابك مع روحانية الواقع الذي يراه في متانة الخط الهندسي واتجاهاته المحورية في بناء الأشكال ووحداتها الهندسية المتكسرة أحياناً، لتتجلى الحركة في الكثير من الأشكال ذات القيمة الموسيقية المتناغمة مع إيقاعات بصرية لها معادلاتها الخاصة، هي بمثابة مقاطع هندسية تجريدية سابحة خارج الزمن، وهي أساس الأشكال كلها التي نراها مكتملة في الطبيعة بشكل عام. ولكن النسق الفني لها استقلاليتها الذاتية من حيث النظم الهندسية وقواعدها التي تنطوي على مستويات بصرية مختلفة في إيقاعاتها الداخلية التي تتصف بنيوياً بمفهوم ترتيبي له قوانينه الخاصة. إذ يلجأ "سانا" إلى حبك تتابعي مترابط في تضاده وتناغمه وتلاحمه الفيزيائي بمنهجية النظم التي يبحث عن دلائلها من خلال التجريد الهندسي ومحورية الحركة الخاضعة لعدة مصطلحات فنية أضفى عليها "ساندرو سانا" حيوية وجمالاً.

تم نشره عام 2015 في جريدة اللواء