إنني منارة بيضاء في وسط بحر الإنسانية.

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في رواية " الجوع" للروائي كنوت هامسون.

نتخوف من الجوع ، ونهاب النقص في الأموال والأنفس، ولا نفكر بالجوع الفكري الذي نعاني منه أدبيا في كل المجالات الفكرية التي فتح أبوابها الروائي كنوت هامسون في روايته "الجوع" الصادرة عن دار المدى، و ترجمها إلى العربية محمود حسني العرابي، تحمل من المفاهيم الحياتية ما يعني" ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" بدأ الرواية بتحديد المكان وهو تلك "المدينة التي لا يغادرها أحد قبل أن تسمه بسماتها وتترك عليه آثارها." ليضع الزمن ضمن بيئة عاش فيها، ومن ثم أبحر إلى جوع من نوع آخر .

ينحصر أسلوب الرواية في نقطتين: الأولى متحركة، والأخرى ثابتة، فنقطة الضوء الأولى أسقطها على صحفي يكتب بالقطعة حيث تبدأ رحلة الجوع للكتابة عند رفض كل مقال، ليبدأ الآخر، وخلال ذلك نستمع لرواية تحمل في طياتها مجموعة قصص متخيلة، لكل منها مغزى من قصة البوق، كوبوءا ، كيرولوف، يلايالي، حريق في المكتبة، ومسرحية لم تكتمل علامة الصليب، وفي كل منها رحلة كاتب ينجح ويفشل "من كتابة قطعة مطولة بدون عناء، وأتممتها على أحسن ما يكون." مما أسهم في خلق لغة استفزازية أثارت القارئ، وتركته يتابع طانجن من البداية إلى النهاية، بمختلف مؤثراته البيئية والصحفية ، لنستنتج أن القصص التي يرويها بذاتية تتضور جوعا من كل النواحي، ما هي إلا تصورات اجتماعية لمجتمعات يعاني فيها الفكر المعاناة القاسية ، ليتشكل الوعي بلاوعي يوحي للكاتب بأحداث تمنحه البنية الفكرية، ليبدأ في كل مرة كتابة مقال، وبتحدبات ترتكز أساسياتها على الحدث الذي ينطلق من مرتكزات أدبية، تتموضع في داخل مخيلة قد تصاب بتشويش، ما يؤدي إلى فشل كتابي حيث يتوقف الإلهام، ليعود للبحث من جديد"وأصبت بفوضى جديدة في أفكاري من جراء هذه الجهود العقيمة، فشعرت بمخي وقد فارقني ،وأقفر رأسي وخف فوق كتفي، وبقيت بلا إدراك."

كلمة واحدة يحيط بها الكثير من المعاني التي تلتف حولها هي" الجوع" فالإحاطة الفكرية لهذه الكلمة تأخذنا نحو الحاجة للطعام أو الغذاء المفيد، والمساعد في تهدئة الأعصاب، ليتم التفكير السليم، وبالتالي الكتابة بشكل جيد، وفي هذا معنى يشي بالحاجة إلى مجتمع يساعد في تكوين كل هذا، لكن الموازاة في الأسلوب المحبوك بفهم صحفي وروائي، وسيميائية تشير إلى سخرية الحياة التي تجعل من طانجن يقف أمام الرغيف كما يقف أمام رئيس التحرير، ليتأمل "سلة مهملات هائلة تكاد تتسع لابتلاع إنسان بأكمله، فانقبضت نفسي عند رؤية هذه البالوعة السحيقة ، فم الأفعوان هذا الفاغر على الدوام ، والمستعد أبدا لابتلاع الكتابات الجديدة المرفوضة، والآمال الجديدة المحطمة "

في وسط بحر الإنسانية مشاهد مليئة بمجاعات مختلفة، من غرفة المنامة للمتشردين في السجن إلى يلايالي التي تمنعت عن منحه ليلة حب بعد أن عرفت أوضاعه الاجتماعية، إلى الجرائد التي ترفض المقالات أو تقبلها تبعا لميولها وقدراتها المالية، إلى حيث الظلم الاجتماعي الذي لا يتوارى عن ترك أطفال يعبثون برجل عجوز لا يستطيع الحراك، نرى مشاهد متعددة منها ما هو مأساوي، ومنها ما هو حديث نفس لا يؤتي ثماره" والواقع أن الإنسان لا يمكنه أن يكون مسؤولا عن خواطر مبهمة عابرة، ولا سيما إذا كان مصابا بدوار فظيع، وهو على وشك الهلاك يجر ملحفة تخص غيره." ثم ليشعر طانجن بعد ذلك بالعجز قبل أن يتأهب للفعل المناسب مع هذا الرجل، ولو كلفه هذا البقاء خارج الدار، والنوم في العراء، ومن ثم تتكرر المواقف الفجائية التي تثير دهشة القارئ، لأنها تأتي غير متوقعة، وكأن الأقدار تقف مع طانجن لتؤثر على جوعه، وحين يقع في المحظور أو الخطأ غير المقصود كان يحاول تصحيح ذلك، فيقع في خطأ أكبر، كالمال الذي أخطأ صاحب الدكان فيه، فأعطاه لطانجن، وبدوره أمسكه، ولم يصدق ذلك لكنه "مع كل خطوة ابتعدها كان يتضاعف سروري ، لانتصاري على هذه الفتنة الشديدة، فأفعم نفسي بشعور جليل أنني على خلق" فهل يحاول منح حامل القلم ، وكاتب الكلمة صفة الشرف والنزاهة التي تجعله يفتخر بصفته الأدبية أو المهنية، وهو في أسوأ الأوضاع المادية؟ أم أن للإنسان وقفة عز تجعله لا يقبل المهانة ، وهو الذي يضع الحجر في فمه لينسى الجوع" وجدت حجرا صغيرا فنظفته ودسسته في فمي، لكي أحس شيئا فوق لساني." إن المحاكاة الداخلية والحوارات المفتوحة على قناعات توالدت من المواقف السلبية التي يتعرض لها هذا الطانجن السيئ الحظ الذي يحمل في نفسه قوة وصبرا، وأناة تطيح به فجأة، مما يجعله كمهووس أصابه الجوع الاجتماعي بكل تفاصيله، واستاء من كل ما حوله، حتى الحب لم يوفق فيه، لكنه يحاول الوقوف بثبات عندما يتعرض لمواقف ربما يشعر أنه تنتقص من كرامته " فتقدمت خطوة إلى الأمام، وقلت في ثبات وثقة : "صحفي."

أشكال أسلوبية متعددة موسومة بهواجس كاتب يبتدئ جمع الخيوط الروائية في فكرة معنى واحد، يشدها ويرخيها تبعا للحدث المتجدد في كل لحظة فجائية. نلمسها في الأشكال الأدبية التي جمعها في لحظات إدراكية عاشها، وتحسسها بحس روائي يبحث عن مقالة وصفية في أمكنة لا تثير المخيلة، بل تتسبب بوجع الضمير والتأنيب المستمر في قرارة نفسه" ففي العصور الوسطى لم يكن أحد يتكلم عن الضمير، وأول من اكتشف الضمير هو شكسبير معلم الرقص." وكأنه يتمنى في هذه الجملة نفي الضمير إلى خارج الوجود، ليرتاح في قرارة نفسه، ويتحرر من المساءلة النفسية لكل فعل يؤنب ضميره، إذ إن شفافية السرد الحكائي وفنية المجازات البلاغية مرتبطة بالتناقضات، والإحالات السيميائية التي تلعب دورا مهما في تشكيل مستوى الرؤية عند كل مشهد تخييلي ، يحمل انفعالات ذات أضداد غارفة بالتعبيرات والتواترات الخلاقة " فضحكت وبكيت، ورجعت أقفز في الطريق، ثم أقف وأضرب على ركبتي."

عالم روائي يفرضه كنوت هامسون بقدرات كاتب مبدع وضع الحقائق وبسطها أمام القارئ، ليروي سيرة آلاف الكتاب وأصحاب القلم، وما يعانون من متاعب تؤدي بهم في أغلب الأحيان إلى اليأس والقنوط ، ومتابعة أعمال أخرى، وهذا ما حصل في النهاية حيث كان الإبحار المجازي هو كنايات متتابعة تؤدي للوصول إلى ذروة النهاية غير المتوقعة، وهي الخروج من المكان الذي بدأ منه الرواية، أي الابتعاد عن النقطة الأساسية في الرواية، وهي طانجن في تلك المدينة، ليخرج من اغتراب داخلي إلى اغتراب خارجي هو ضمن سياق العبور من قصة إلى قصة، ومن مقالة إلى مقالة ، ومن رواية إلى رواية أخرى .

إن الجهد الروائي يتمثل بالصحفي البائس الذي يعاني من جوع مختلف في معانيه، لأن التوليفات النصية جاءت متمكنة من حيث البناء، والحبكة، والأحداث المتتالية التي لم تتوقف منذ البداية حتى النهاية، وكأنه يمسك القارئ بخيوط درامية متينة في الأداء النفسي، والمأساوي الذي أتقنه طانجن، كشخصية محورية مأزومة اجتماعيا، تعاني من صراع مع النفس اللوامة التي تثيرنا أشجانها، وحواراتها المبكية والمضحكة، مما يجعل من أحداث الرواية تتجدد عند كل تزامن يفضي إلى تشظيات، منحت المشاهد بانورامية ترزح تحت تناقضات الشخصية، وتذبذبها العجائبي" وإذا أنا فكرت في الأمر حد التفكير فإن هذه النقود قد كلفتني في الواقع هما عظيما" إن العامود الفقري لرواية الجوع هو طانجن، لأن الفكرة انطلقت مع هذا الصحفي الذي يروي كل تفاصيل تواجده في هذه المدينة التي لن ينساها، أو هذا الفضاء الروائي الذي استمتعنا فيه تقنيا وفنيا ، مع شخوصه الواقعيين والمتخلين " وكيرولوف هذا تاجر الأصواف الذي طالما كان يتراءى في خيالي، هذا المخلوق الذي خلت أنه موجود، وأنه لا بد لي أن أراه، تقلص عن مخيلتي ، ومحته التصورات الكثيرة الأخرى."

تناسب سلس بين العناصر الروائية، وبين طانجن والمحاكاة الروائية القائمة على التوازي الروائي بين الذاتية والواقعية، وموضوعية طانجن الخيالية التي يطرح من خلالها الهموم الصحفية، والاجتماعية باختلاف عناوينها،وبالتوازي مع شخوصه التي سعى إلى محاكاتها دراميا بديناميكية أيديولوجية، وسيوسيولوجية تتضمن هموم الصحفي في المجتمعات الغافلة عن الفكر المهمل من أي تقديمات تساعده على التفرغ الكتابي.

Doha El Mol