الصياغة البانورامية ومضامينها الواقعية في أعمال الفنانة "ميراي غوغيكيان"

ضحى عبدالرؤوف المل

تتشكل الألوان في أعمال الفنانة "ميراي غوغيكيان" (Mireille Goguikian) طبقًا لمسوغات تحكمها رؤية تجريدية تختلط مع الواقع وفق الحيثيات التي تتصل بالعوالم الخارجية ذات الصياغة البانورامية ومضامينها الواقعية، المرتبطة بتجريد يثير دهشة الحواس من حيث أنماط الأشكال ومتغيرات الألوان الداكنة والفاتحة، لتبدو التأويلات بسيطة في معانيها، وإسقاطاتها الحركية عبر منظومة سايكولوجية ذات حس تخيلي تهدف إلى خلق سمات تجريدية لا تنحصر بين الغموض والرمزية، وإنما تتجه نحو الواقع الممزوج بالكثافة والصراعات، للإبقاء على جوهر المفهوم الجمالي للوحة التي تنتقدها "ميراي غوغيكيان" بموضوعية وجمال. ليتوسم اللون قيمته الفنية من التدرجات والارتباطات مع الألوان الأخرى التي لا تنحسر بين الفراغات والأشكال، وإنما تمتزج مع مساحة اللوحة المتماسكة مع العناصر الفنية الأخرى.

بُنيت لونية تجريدية شديدة الحبك في رؤاها الفنية الهادفة إلى تكوين المعنى الجمالي، بثنائية ترتكز على المفهوم الرياضي للأشكال التي تتضمن مربعات ومستطيلات وغيرها من الخطوط ذات الأبعاد الاستدلالية، والصارمة الزوايا في تحديد كل شكل إيحائي يكمن حسيًا بين المعاني الفنية التي تندمج رياضيًا وهندسيًا مع الرؤية المعاصرة، والضربات القوية في إيقاعاتها الغارقة بسماكة اللون أو شفافيته. من حيث الأشكال التجريدية المسطحة أو من حيث الفراغات الانعكاسية التي تمنح المسطحات حدة تتميز برهافة الحس الخارجي، وعمق الإحساس الفني الذي تتوجه به الفنانة "ميراي غوغيكيان" بواقع تجريدي له أصوله وعجائن ألوانه التي تميل إلى الانصياع الحركي والتسامي البصري مع كل لون منحته من توهجات الضوء ما يتركه مضيئًا مشرقًا ميالًا إلى الزهو بمعناه الفني.

لا تنغمس الفنانة "ميراي غوغيكيان" فيما هو لا مرئي نهائيًا، وإنما تترك للواقع وجوده المرئي بحس لا ينفصل عن فلسفة فنية تتصل بالمعرفة الفنية القادرة على ترجمة الأفكار، وتحويلها إلى أشكال رياضية وهندسية هي ارتقاءات جمالية تتعالى عن الواقع وصراعاته، وتنسجم مع التجريد وأسس الرؤية التشكيلية، ومحاكاتها بمقومات تجريدية ذات حدس تخيلي تتدفق فيه الشاعرية عبر مساحات اللون التي تستولي بصريًا على وجدان المتلقي. إذ نلمس أثيرية الفضاءات المتماهية مع التحولات الضوئية والتلاعب بمعايير الفاتح والداكن، ونسب الأشكال المحسوبة عبر تجليات سطوح الألوان والفراغات، والتوهج والخفوت، حيث تنغمس الخطوط الوهمية بالضوء وانعكاساته في كل لوحة تترجم من خلالها مشهداً واقعيًا تفاعلت معه تجريديًا، وبانطباعات لها أبجديتها المشدودة إلى العالم الداخلي وانعكاساته على المعنى الخارجي للوحة التي تتحكم فيها نغمات اللون التي تكمن في سر كل شكل من الأشكال المتصلة والمنفصلة، وباستبطان موضوعي لتخيلات ترتسم عبر مساحات اللون.

تضادات لونية غير مباشرة، ولكنها قوية بصريًا في تناغمها الفني بين المساحات المسطحة التي تعتمد على أنماط سيميائية صاخبة في موسيقاها وتدرجاتها الطافحة بتعبيرات مشحونة بمفردات حياتية تكتظ بالعاطفة والانفعالات التي تنساق مع التفاصيل الجوهرية، لنماذج جمالية تتشظى شكليًا بحركة التجريد القائمة على بناءات وهمية ترتقي حسياً فوق عوالم اللون وتدرجاته، والانفعالات المؤثرة على الأشكال الهندسية ذات التشابه الإيحائي المفعم بانعاطفات الخطوط الحيادية والمؤسسة لتكوينات تحاكي الواقع وتنفيه، وتتركه في متاهة بصرية لها أبعادها ومقاييسها التي تحتكم لمنطق التجريد والواقع معًا، وبنظرة عقلانية لها عاطفتها وجماليتها من حيث الإيحاءات الكامنة وراء التفاصيل اللونية وكثافتها التي تمتلك تقنية تقسو على المقاييس والمكونات، لتتوحد مع ذاتها في لوحة أثقلتها بالمعاني الحياتية لتكون فكرة ذات حركة تأملية لها ملامحها وحيثياتها المؤثرة من حيث وحدة الشكل كالمربع والمستطيل وغير ذلك.

تم نشره في جريدة اللواء عام 2015