الفن في البداية هواية، وأنا أعتقد أن كل إنسان لديه القدرة على أن يكون فنانًا.
حوار مع الفنان التشكيلي نزار عثمان
حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل
تنضج الذكريات في لوحات الفنان "نزار عثمان"، ويستنطق بحرفة لونية خلفيات الزمن، حيث يترك العجوز في مساحة تنبض بالفراغات والفضاءات المحاكية لتفاصيل حركة ما زالت عالقة في مساحة تخيلية، يستخرج منها بقايا المخزون الطفولي. تاركًا للتعبير الحركي في لوحاته جمالية إبداعية، وتكتيكات يترجمها بدمج بصري واختلاطات فنية، تترجم انفعالاته وأحاسيسه، وأسلوبه التخيلي المبحر في ذاكرة تؤلف انطباعاته التي تتراىء عبر واقع مشحون بالانتقادات. والذكريات المسرودة بصمت مع خلفيات يتركها كعلامات تعجب لسينوغرافيا ذات خصائص تثير الغموض وتطرح بتساؤلاتها الاجتماعية قيمة الإنسان والذاكرة الفنية بتحولاتها، ومتغيراتها الإيقاعية، وتضاد بين الموضوع والخلفية، ليحاكي بسكون الحركة البارزة في تصويراته المتفاعلة مع أبعاد شخصية العجوز، التي يتركها بين هلالين كأساس لما يراه في الحياة، وما هو مرتبط فنياً بالواقع العربي الذي يعاني من العجز والتقهقر.
- ماذا يشكل لك الفن التشكيلي: حرفة أم هواية؟
الموضوع يتبدى من خلال رؤية الناقد الفني، وأنا مع كون الناظر يشارك الفنان في العمل من حيث الأبعاد المقصودة. أسعى من خلال الخلفية التي أحب تسميتها "الخلفية الصامتة" لاستنطاق رغبات دفينة في الثيمة كي تظهر بشكل أكثر وضوحًا وتلفت النظر أكثر فأكثر.
- نزار عثمان وتحريض بصري، إلى ماذا يهدف؟
أسعى لظهور العاطفة والإحساس حين يرى كل ناظر إلى اللوحة أنها تعنيه. الفن في البداية كان هواية، وأنا أعتقد أن كل إنسان لديه القدرة على أن يكون فنانًا لو اهتم أكثر بالفن، لكن اليوم مع وجود الغاليريات والاحتكار الذي يمارس بحق بعض الفنانين، أصبح أقرب إلى الحرفة.
- تختزل الثيمات وتترك للخلفية اللون بتضاد يشكل انسجامًا معكوسًا، ما رأيك بهذا الكلام؟
أنا مع أن الناقد قد يرى ما لا يراه الفنان، والاختزال هو مجموع ما تترجمه الذاكرة البصرية في رؤية الفنان التي يحبكها في اللوحة ويفك رموزها المتلقي والناقد.
- لمن ترسم ومتى وأين هي أجمل لوحة رأيتها؟
بصراحة، أجمل لوحة رأيتها يصعب نسيانها، وأيضًا يصعب القول أين رأيتها، فالكثير من اللوحات الفنية الإبداعية راسخة في الذاكرة. أما لمن أرسم، أيضًا يصعب تحديد ذلك، إلا أنني أتعاون مع غاليري في قطر وأرسم له كعمل فني.
- كيف ترى الفن الفوتوغرافي في لبنان وما رأيك به؟
الفن الفوتوغرافي بدأ بالصعود وهو جيد، إضافة إلى أن بعض المعارض الفنية المهمة في لبنان بدأت باستيعاب عدد من الفوتوغرافيين، مما سيؤثر إيجابيًا على هذا الفن.
- من هو أحمد قليج ولماذا هذا الأسلوب في الفن؟
أحمد قليج صديقي وهو فنان سوري مقيم في لبنان. فنه تعبيري، وهذا أسلوبه، وحاليًا يتعاون مع غاليري "زمان".
- هل يرضيك النقد الفني التشكيلي لأعمالك؟
نعم، القراءات تمثل فني بشكل كبير. وأعيد وأكرر أن الناقد شريك للفنان في العمل، وقد يظهر له أمورًا غابت عنه في عمله. إجمالًا، القراءات تتفاوت بحسب خبرة القارئ لها، لكن كلها تصيب جزءًا من كبد الحقيقة طالما الموضوع المقروء هو عملي.
- ماذا تجسد الكلمة وما علاقتها بلوحاتك؟
بالبدء كانت الكلمة، وهي وسيلة تواصل وتخاطب وتخاطر فريد تميزنا عن باقي المخلوقات. والفن رسالة تؤدي مطلوبًا من خلال الألوان والريشة وانفعالات الفنان. هناك علاقة وطيدة بين اللوحة والكلمة، وإن كان على الفنان أن ينشئ الرسالة، فهي رسالة مرمزة يقوم الناقد من خلال كلمته بفك شيفرتها ورموزها ببراعة للمتلقي العادي. وهناك بعض الفنانين يسعى لدمج اللوحة بالكلمة كما لو كانت قصيدة شعرية، وهي محاولات محمودة يتواءم فيها اللون مع الكلمة.
في تحليل للحوار
الحوار مع الفنان التشكيلي نزار عثمان يُظهر بوضوح شخصية الفنان العميقة وفهمه العميق للفن التشكيلي كوسيلة تعبيرية وليس مجرد حرفة. من خلال إجاباته، يمكننا أن نلاحظ مدى ارتباطه بالفن من حيث أنه ليس فقط هواية، بل أداة لاستكشاف الذات والعالم المحيط به. في تصوره، كل إنسان يمتلك القدرة على أن يكون فنانًا، شريطة أن يولي الفن اهتمامًا كافيًا. هذه النظرة تعكس إيمانًا راسخًا بقوة الفن كوسيلة تنمية شخصية وعقلية.
إحدى النقاط البارزة في الحوار هي الطريقة التي يتناول بها عثمان مفهوم "الخلفية الصامتة" في أعماله. هذه الخلفية التي يصفها كمكان لاستنطاق الرغبات المكبوتة تدل على أن اللوحات ليست مجرد تمثيل بصري للواقع، بل هي جزء من عملية نفسية وفكرية يتفاعل من خلالها الفنان مع ذاته والعالم. هذا التصور يعكس تفكيرًا عميقًا حول دور الفن في نقل المشاعر والانفعالات غير المنطوقة التي تكون جزءًا من التجربة الإنسانية.
أما بالنسبة لمفهوم "تحريض البصري" الذي يتحدث عنه عثمان، فيبدو أن هدفه ليس فقط إثارة الجمال البصري، بل تحفيز المتلقي على التفكير والتفاعل مع العمل. يعكس هذا التصور فلسفة فنية تعتقد بأن الفن يجب أن يكون محرضًا للعقل والمشاعر معًا، حيث يطمح الفنان أن يترك كل مشاهد يتساءل ويفكر حول معنى اللوحة وتأثيرها عليه.
فيما يتعلق بنقده للمشهد الفني المعاصر، يعكس عثمان بعض القلق حيال تحول الفن إلى "حرفة" بسبب وجود احتكار في أسواق الفن وبعض الغاليريات. يمكن أن نلاحظ في إجاباته على الأسئلة المتعلقة بالاحتكار والمعارض، اعتراضًا ضمنيًا على النظام الفني الذي يمكن أن يحد من الحرية الإبداعية للفنانين. هذا التحليل يكشف عن رؤية نقدية للوضع الراهن في الفن العربي المعاصر، حيث يتداخل العنصر التجاري مع الطابع الإبداعي للفنان.
أخيرًا، إجابته عن العلاقة بين الكلمة واللوحة تكشف عن تداخل مجازي بين الفن التشكيلي والأدب. بالنسبة لعثمان، الكلمة ليست مجرد أداة لغوية، بل أداة رمزية تساهم في تفسير وفك شيفرة العمل الفني، وهو ما يعكس نظرة متقدمة حول التفاعل بين الوسائط الفنية المختلفة. فكرة دمج اللوحة بالكلمة تُظهر التوجه نحو تجسيد الفن كحوار متعدد الأبعاد، يتجاوز الحدود التقليدية بين الفنون البصرية والأدب.
في الختام، يمكن القول أن الحوار مع نزار عثمان يعكس فنانًا ذو فكر نقدي وعميق، يهتم بالتفاعل العاطفي والفكري مع المتلقي، ويعي تمامًا تعقيدات المشهد الفني المعاصر في العالم العربي.