من متحف ورقي إلى متحف واقعي

حوار مع الناقد ومدير متحف مقام "سيزار نمور"

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل

تنمو الثقافات وتترعرع بين أحضان العلوم كافة بمختلف أنواعها وأصنافها، وصولًا إلى علم المتاحف وارتباطها بالتربية الحديثة ومعايير الحضارات. إذ تسهم في تنمية الفنون وازدهارها وحفظ الإرث الفني بأرشفته ضمن المتحف ووثائقه ومعروضاته وأنشطته بكافة اهتماماتها. فالمتحف هو عين المجتمع التي يرى من خلالها الماضي والحاضر ويحفظ الممتلكات الفنية. وهذا يحتاج إلى خبرات منهجية لذاكرة فنية تؤسس لمستقبل فني، وكما قيل: "المتحف معيار رقي الأمم ومقياس تقدمها". ومع الناقد الفني ومدير متحف مقام "سيزار نمور" كان هذا الحوار.

- ما هي أولى اهتمامات متحف مقام وكيف نعيد بناء الذاكرة الفنية؟

إن ذاكرة الفن والتراث الفني هما مجال عمل "مقام". لقد حدث انفصام في الذاكرة الوطنية بسبب الحرب والنزاعات وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي وسرعة ضخامة التغيرات خلال العقود الأربعة الأخيرة. نجد أن جيل الحرب يعرف القليل عن فناني ما قبل الحرب، وقد اختفت أعمال فنية ولم توثق. لذلك، هنالك حاجة ماسة لإعادة بناء الذاكرة الفنية ولتوثيق الفن ووضع الأرشيف في متناول الجميع.

- منذ متى تم افتتاح متحف مقام وما هي أهدافه؟

ابتدأ نشاط مؤسسي "مقام" بقيادة سيزار نمور وزميلته غبريالا شوب في حقل الفن بنشر الكتب عن الفنانين والفن في لبنان تحت شعار "نبني متاحف على الرفوف"، وتشجيع حيازة الكتب "ابنِ متحفك بنفسك". وقد أصدروا حتى الآن اثنين وعشرين كتابًا بهذا الهدف. شاركنا معًا نحن المؤسسان عام 2009 في "بيروت عاصمة عالمية للكتاب" بمعرض ضخم عن كتب الفن، مهرجان كتاب الفن اللبناني. وبعد انتهاء المعرض، قررنا أن تبقى الكتب في متناول الجمهور، مما أدى إلى إنشاء مكتبة "ركتوفيرسو" العامة في بيروت التي تحتوي على أكثر من ألف كتاب، وقد قاما بتوصيفها في قاعة بيانات. بينما كانا يوثقان الأعمال الفنية في ثمانينات القرن الماضي، اكتشفنا أن جميع أعمال فن التجهيز التي عرضت في الغاليريات لم تعد موجودة. عممنا على الفنانين أننا خصصنا بناء معمل فارغ للمحافظة على الأعمال التجهيزية وتخزينها، ويمكن للفنان استعادة أعماله متى شاء. وقد تراكم خلال سنة عدد كبير من الصناديق لأعمال فنية، ففكرنا أنه من المؤسف أن لا تعرض جميعها على الجمهور بمعرض دائم. إن نشر كتب الفن وترويجه أدى إلى توثيقه، ثم إلى المحافظة على فن التجهيز، ثم إلى عرضه وتحويل فضاء التخزين إلى فضاء للعرض. فكان إنشاء متحف للفن الحديث والمعاصر في عاليتا - جبيل.

- مما يتألف المتحف وإلى من يتوجه بالدرجة الأولى؟

يتألف المتحف من قاعتين: قاعة للفن الحديث تحتوي على منحوتات لسبعين فنانًا معروضة حسب مادتها، فهنالك المعدن، الحجر، الخشب، والسيراميك، والقاعة الثانية مخصصة للفن المعاصر بأنواعه من تجهيز فني وفن الفيديو وغيره. ويتوجه "مقام" إلى جميع شرائح المجتمع.

- "بانوراما النحت في لبنان" وعنوان لمعرض دائم في متحف مقام، ماذا تقول لنا عنه؟

هو معرض دائم مفتوح للجمهور يتوجه إلى الفنانين المعروفين لعرض أعمالهم في "بانوراما النحت في لبنان". ثم يقوم بتكريم فنان كبير كل عام وتنظيم معرض استيعادي له ويصدر كتابًا لأعماله. العام الفائت، كرم المتحف النحات "زافين هاديشيان" بمعرض استيعادي لأعماله البرونزية، وهذا العام يكرم مقام الفنان يوسف بصبوص بمعرض استيعادي لأعماله الخشبية.

- هل من أنشطة تقام في المتحف لطلاب المدارس؟

نعم، يقيم متحف "مقام" لطلاب المدارس زيارات مع دليل متخصص، ويعطي كل من الطلاب استمارة حسب الفئة العمرية (6-9، 9-12، وما فوق 12) ليقوم بملئها، وتختتم الزيارة بمشغل رسم. كما ينظم المتحف للشباب أيضًا "مخيم الفن والطبيعة"، الذي يتخلله زيارة المتحف، مشغل فني، وعرض أفلام عن الفنانين العالميين، والسير في الطبيعة.

- هل من أنشطة أخرى أو محاضرات تقام في هذا المتحف؟

كل عام نسلط الضوء على ناحية محددة من الفن. وقد أقام العام الماضي "عصر البرونز"، وتخلل ذلك محاضرة عن صب البرونز، مسابقة ومعرض للمتسابقين، ومعرض استيعادي لأعمال الفنان زافين هاديشيان البرونزية. هذا العام سيكون "عصر الخشب"، حيث تخلله مسابقة لأعمال خشبية ومعرض لها، ومعرض استيعادي للأعمال الخشبية للفنان يوسف بصبوص. نحن الآن في "عصر الحديد" وتكريم الفنان المميز بهذه المادة بولس ريشا، بالإضافة إلى مسابقة لأعمال حديدية ومعرض لها. وسيتوسع المتحف ليتجاوز العام القادم النحت والتجهيز إلى الرسم والتصوير والأعمال الورقية، ليصل المتحف إلى جمهور أوسع. ويخطط المتحف أيضًا لإنشاء مسرح للفنون. وقد زار المتحف خلال سنة وستة أشهر ثلاثة آلاف وسبعمائة زائر، والتحدي هو أن يتضاعف هذا الرقم باستمرار.

في تحليل للحوار معه

الحوار مع الناقد ومدير متحف مقام، سيزار نمور، يعكس بشكل واضح رؤية ثقافية وفنية متكاملة للمتحف ودوره في الحفاظ على التراث الفني وتوثيقه. يبدو أن المتحف لا يقتصر على كونه مجرد مكان لعرض الأعمال الفنية، بل هو مساحة حية ومؤسسة تثقيفية تسعى إلى تجسيد رسالة أوسع تتعلق بحفظ الذاكرة الفنية وتعليم الأجيال القادمة قيم الفن وجمالياته.

أبرز النقاط الإيجابية في الحوار:

التركيز على الذاكرة الفنية والتوثيق: يتحدث سيزار نمور عن التحديات التي واجهتها الذاكرة الوطنية في لبنان بسبب النزاعات والحروب، وهو ما يعكس شعورًا عميقًا بأهمية الحفاظ على التراث الثقافي والفني. كما أنه يبرز أهمية المتاحف كأدوات رئيسية لإعادة بناء هذه الذاكرة والتأكيد على ضرورة توثيق الأعمال الفنية بشكل منهجي.

الاهتمام بنشر المعرفة وتعليم الأجيال الجديدة: يلفت الحوار الانتباه إلى أن المتحف لا يقتصر فقط على عرض الأعمال الفنية، بل يقدم أيضًا برامج تعليمية وتثقيفية تستهدف طلاب المدارس والشباب. من خلال الأنشطة مثل "مخيم الفن والطبيعة" والزيارات المدرسية، يسهم المتحف في توعية الجمهور الصغير وتشجيعه على التفكير النقدي حول الفن والتفاعل معه.

التوجه المتعدد الجوانب للمتحف: المتحف لا يقتصر على الفن التشكيلي التقليدي، بل يعرض أنواعًا متنوعة من الفنون مثل فن التجهيز، والنحت، وفن الفيديو. كما أن المتحف يكرم الفنانين البارزين ويصدر كتبًا تسلط الضوء على إسهاماتهم الفنية، مما يجعله ليس فقط مرفقًا للعرض بل أيضًا مركزًا للبحث والتوثيق.

الخطط المستقبلية والتوسع: الحوار يبرز الطموحات الكبيرة للمتحف في المستقبل، مثل توسيع نشاطاته لتشمل مجالات جديدة مثل الرسم والتصوير والأعمال الورقية، بالإضافة إلى التخطيط لإنشاء مسرح للفنون. هذه الرؤى تشير إلى أن المتحف يسعى إلى أن يكون مركزًا ثقافيًا متعدد الأبعاد، ليس فقط لعرض الأعمال الفنية، بل لتوسيع دائرة تأثيره على المجتمع بأسره.

التركيز على التحديات المالية والتنظيمية: بالرغم من التركيز الكبير على الأنشطة والبرامج التي يقدمها المتحف، كان من المفيد أن يتم التطرق إلى التحديات المالية والتنظيمية التي قد تواجه المتحف في تنفيذ هذه الأنشطة، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسية الصعبة في لبنان. عرض هذه التحديات كان سيضيف عمقًا أكبر للفهم العام حول كيفية إدارة مثل هذه المؤسسات في بيئات معقدة.

التوسع في تفاصيل البرامج الثقافية: على الرغم من ذكر العديد من الأنشطة الموجهة للطلاب والشباب، كان من الممكن التوسع في تفاصيل هذه البرامج، خاصة تلك المتعلقة بتفاعل الجمهور مع الفن بشكل أعمق. كيف تؤثر هذه الأنشطة على المشاركين؟ وهل هناك برامج تدريبية أو ورش عمل مخصصة لفنانين صاعدين؟

الإشارة إلى الجمهور المحلي والدولي: كان من المفيد أن يتم الحديث عن كيفية جذب المتحف لجمهور دولي أو سياحي، ومدى تأثير ذلك في التعريف بالفن اللبناني المعاصر على مستوى عالمي. بينما يركز المتحف على الشرائح المحلية، يبدو أن هناك فرصة أكبر للتوسع في تسويق الثقافة والفن اللبناني عالميًا.

الحوار يقدم صورة شاملة وإيجابية لمتحف مقام ويعكس التزامًا حقيقيًا من قبل القائمين عليه بإعادة بناء الذاكرة الفنية اللبنانية وتعزيز الوعي الثقافي من خلال التوثيق والتعليم. ولكن كانت هناك فرصة لتوسيع النقاش حول التحديات المالية والتنظيمية التي قد تواجه هذا المشروع الثقافي الطموح. في النهاية، يظل المتحف بمثابة نقطة التقاء هامة بين الماضي والحاضر الفني في لبنان، ويبدو أنه في الطريق الصحيح لتحقيق تأثير ثقافي طويل الأمد.

تم نشره عام 2015 عام في جريدة اللواء