حيوية بصرية ترتكز على الشكل والظل والارتداد البصري الانعكاسي.
ضحى عبدالرؤوف المل
ينقل الفنان "يوسف بصبوص" (Youssef Basbous) حركة الخط بصمت في منحوتاته ذات الامتداد الفراغي، ليزيد من التأثيرات الانفعالية على مادة يمنحها خصائص سطحية ذات حيوية بصرية ترتكز على الشكل والظل والارتداد البصري الانعكاسي، لبنية نحتية تجسد في تكوينها صياغة ترتبط بالحركة الفراغية والأبعاد المنظورية ذات المتغيرات الحركية، المبنية على المؤثرات الانفعالية للضوء المتشكل من الفراغات وقياساتها النحتية التي تربط بين الموضوع والفكرة. من حيث عقلانية الشكل الهندسي المتشابك مع الخطوط الوهمية التي يتركها الفنان "يوسف بصبوص" لتحقيق التوازن بين الكتلة والفراغات، أو من حيث العاطفة التكوينية المنسجمة مع الخامة وتفاعلاتها النحتية المرتبطة بالإدراك البصري وحدود التكوين الفراغي أو الضوئي. ليترك خطوط منحوتاته كنغمات صامتة توحي بالعمق الفضائي، وبنسيج الظل والضوء المفتوح نحو فضاءات المنحوتة وخارج أبعادها التخيلية محافظًا بذلك على القيمة الضوئية في المنحوتات المبنية على الإيحاء بالعمق الفضائي.
امتدادات فراغية تشكل لغة حوارية ذات فضاءات تتوازى فيها الأبعاد الجمالية للخطوط التي تحقق للمنحوتة الاختزالات الأساسية للأفكار التي تحاور بعضها البعض من حيث البنائية وقدرة التعبير الذاتي. لخلق كينونة نحتية محسوسة وفق تشكيل فراغي معين يرتبط بعناصر التكوين بشكل جزئي، ويهدف إلى التحرر من نطاق الكتلة ومادتها بغض النظر عن طبيعتها التي يسخرها الفنان "يوسف بصبوص" لتشكيلاته المرنة، ولتشابكاته البصرية أو الانعكاسية وبتطويع ذي ليونة بصرية وحسية ملموسة في بعض منها من حيث الخطوط الدقيقة في مساراتها المحاكية هندسيًا لفضاءات الشكل الهندسي المتوازن عبر الإيقاعات المنسجمة مع الكتلة ووحدة مفاهيم تكوينها.
تتشعب حركة الخطوط النحتية في أعمال الفنان "يوسف بصبوص" بإيهام منظوري ينقلنا إلى الواقع المحاكي للتخيلات الانفعالية، المثيرة لفراغات تنشط بين كتلة وكتلة، وبمعادلة نظامية مدروسة في ارتكازها على الفراغ وقيمته حيث يتلاعب على الحركة الساكنة بصريًا، وبتفاعل ذي طابع هندسي عميق الرؤيا. ليتوافق مع المادة التي تتشكل منها منحوتته محاولًا إيجاد علاقة بين الوزن واللاوزن في فضاءات يتركها للأبعاد الثنائية والثلاثية، لتعيد توازنات النقاط البصرية المتحررة من الكتلة والمنضبطة مع الحدود الخارجية لفضاءات فراغية مشحونة بإيحاءات تهدف إلى خلق ديناميكية تتصف بمتناقضات ثابتة جامدة، متحركة نابضة بحيوية المادة الحية التي يحافظ على محاكاتها بخاصية فنان أدرك كبنونة المادة والتحكم بها.
يتلاعب النحات "يوسف بصبوص" بمعطيات الشكل ليتجاوز الخامة بنظم واقعية هندسية تتداخل وتنفصل ضمن بناء فكري تتلاقى فيه الأضاد مع الواقع المتخيل بتجريد يسكبه تعبيرًا. ليتخذ من الشكل مفهومًا فراغيًا يتشكل بانسجام مع الأحجام الثلاثية الأبعاد، لتتغير الحركة الفراغية وفق السكون الضوئي والحركة الخطوطية المتداخلة بدقة تؤثر على جمالية البنى التكوينية وتفاعلات الكتلة والفراغ ليحرر النحات "يوسف بصبوص" من القولبة النحتية باستدراج مكنون الخامة، ومنحها رؤيته الفنية بطابع يجمع بين المضمون الفكري الهندسي، والأسلوب النحتي الديناميكي بترابط يخضع لنظام نحتي داخلي صارم، ولرؤية فنية ذات محاور جمالية تعتمد على كينونة الخامة، وحواراته النحتية المثيرة للذهن وللبصر حسياً من حيث الشكل أو من حيث معادلات الحركة الفراغية ومتغيراتها في كل منحوتة.
تنمّي منحوتات الفنان "يوسف بصبوص" الحاسة البصرية بتفاعلات تشد الخطوط من أزر حركتها المختلفة ما بين منحنيات تمثل قوة العاطفة أو التعاطف مع الخامة وخطوط حادة في زواياها، ليشد الخطوط مع بعضها بحركة جذب محورية من الداخل إلى الخارج وبالعكس وفق انحناءات تؤسس لروابط داخلية يجعل من المنحوتة كتلة منتظمة تتميز بعدة معطيات جمالية وبأبعاد تتوازن فيها المساحات المنفصلة والمتصلة عبر فضاءات تحافظ على نسب المنحوتة هندسيًا.
تم نشره في جريدة اللواء لبنان عام 2015