الفن التشكيلي المحاكي لقضايا الإنسان والمجتمع

ضحى عبدالرؤوف المل

يؤطر الفنان الأمريكي "سول أكينو" (Sol Aquino) لوحاته ضمن مفهوم الفن المعاصر، بلغة ساخرة مبطنة ضمن أشكاله الواقعية ذات الوعي التعبيري، الذي يمنح المعنى الحي نبضًا فنتازيًا يتأرجح بين الواقعية والتعبيرية. يُظهر اللون فيها دورًا مهمًا بصريًا، سواء من خلال الصفاء اللوني أو الألوان الأساسية التي يتركها ضمن نغمة قوية تؤثر في إثراء المفاهيم الحياتية التي يقدمها بلغة الفن التشكيلي المحاكي لقضايا الإنسان والمجتمع. كما يعكس التفاوت في هذه اللوحات، الذي يحمل مزايا سلوكية نوعًا ما، قيم الإنسان ودوره في الحياة. ومن خلال الشكل الفنتازي للوجوه، كأقنعة ذات حواجز تفصل بين الواقع والتعبير، تتجسد تمثيلات إيحائية ذات دلالات تغذي المفاهيم الحياتية وتناقضاتها باقتضاب تشكيلي، مما يجسد المشهد الحواري بين الرائي والفنان واللوحة. ويتم ذلك بقدرة بصرية يضعها الفنان في تدرجات ثابتة ضمن اللون نفسه كاللون الأزرق، الأخضر، الأصفر، والأبيض الحواري، عبر تقاطعات بصرية يفصلها بقوة من خلال تضاد لوني تحليلي اجتماعي. يعتمد على التعبير الكوميدي الداخلي في عمقه، الذي يعالج النظرة الإنسانية الخاطئة بكافة مستوياتها الاجتماعية وأبعادها الفنية وجرأتها اللونية.

يخترق الفنان "سول أكينو" مفاهيم النظرة الإنسانية بواقعية اجتماعية، حيث يعبّر عن رؤية خاطئة للآخر عند كل فرد يعتمد على تحليلاته الشخصية، منتقدًا ذلك عبر عدة لوحات سخر فيها ريشته لإظهار ملامح فنه المرتبط بالوعي اللوني الغني بتخيلاته والبعيد عن الأبعاد الإنسانية. يحتفي الفنان بنغمة كل لون مع الحركة المعاكسة للفعل الذي يصوره من خلال الشخوص وتفاصيلها الفنية، معتمدًا على تناقضات الحجم واللون معًا. فهو يحاول التغلغل في عمق الواقع الاجتماعي للإنسان والغوص في أغوار النفس وردة فعلها تجاه الفكر الخاطئ، معالجًا إياه بالكوميديا. ويتسع نطاق الألوان أو يضيق تبعًا للوجدان الفني المتعلق بالمعنى والأسلوب وبناء اللوحة.

ما بين الواقع الاجتماعي والانعكاس الفني، يقدم الفنان "سول أكينو" لغة تشكيلية متشابكة مع كوميديا هزلية تحتوي على وجوه ضاحكة، ونساء صغيرات الحجم، وبعض الموسيقيين، ومفردات فنية تتناغم مع الخطوط الكبيرة والحادة في مساراتها الفاصلة بين شكل وآخر. يُتَّكأ في ذلك على أنماط الحياة الاجتماعية التي لامسها بذوقه الفني، ليُوحي للرائي بقصة يعيشها الأفراد برؤية خاصة، ولكنها انعكاسية في حجمها الداخلي لما هو متناقض اجتماعيًا. ينعكس ذلك على المستويات اللونية وتحولات الضوء بين التفاصيل، خصوصًا بين الوجوه وفروقاتها الداكنة والفاتحة والكبيرة والصغيرة، مما يُشتت البصر عبر سماكة اللون وفراغاته الموصولة بحبكة جمالية نسجها سينوغرافيًا بدرامية كوميدية تنتقد الواقع الاجتماعي بأبسط الخطوط وأشد الألوان. يتناسى "سول أكينو" العاطفة التي استبدلها باللون، مع إبراز الانفعالات الحركية المترجمة للمعنى الانتقادي، الذي يشدد عليه عبر تفاصيل لا تعتمد على الجمال كأساس، بل على مخاطبة الذهن البصري اجتماعيًا وانتقاديًا.

نظرة المجتمعات لبعضها البعض والإنسان لنفسه من خلال الآخر، تمثل الملامح الفنية في لوحات الفنان "سول أكينو" صرخة الواقع الاجتماعي عبر ثقافة شعبية تحاكي الثقافة التشكيلية بلغة ريشة اتقنت تصوير المعاني بدقة الخط وضخامته دون الالتزام بجمالية خاصة. تكمن جمالية اللوحة في معناها وألوانها وتضاد أحجامها المحاكية للمعنى عبر أسلوب الريشة الخاص. يحاول بناء توليفات فنية يدمجها مع التفاصيل الأخرى بهزلية، واختلاف الألوان الإيحائية ومضامينها السردية التي ترتكز على المحور الاجتماعي والتفاعل الحركي. مع استخدام تأطيرات مثيرة للضحك المبطنة، والتناغم الواقعي المتخيل في مساحات يمدها كمسرح ذي نوافذ اجتماعية متعددة تشكيليًا، وبثنائية تأتلف وتختلف معها الخطوط والألوان، والشكل والمضمون، ليُرصد هزليًا الرؤية الخارجية ويحبكها مع الداخل بفن متناقض مع الواقع جماليا.

أعمال الفنان "سول أكينو" من مجموعة متحف فرحات.