القوة الفاعلة في العالم المعاصر
قراءة في كتاب "دور مؤسسات الرعاية الاجتماعية في التنمية" للدكتور "رضوان علي العجل"
طرابلس _ ضحى عبدالرؤوف المل
يكشف الدكتور "رضوان علي العجل" في بحثه النظري والميداني، الذي يتناول مجتمعًا محليًا في محافظة عكار، تحت عنوان "دور مؤسسات الرعاية الاجتماعية في التنمية"، عن القوة الفاعلة في العالم المعاصر، معتبرًا إياها الشريك التنموي والحقوقي في البلدان المتقدمة. يتناول البحث في عناوينه مفاهيم متنوعة تبدأ بالمجتمع المدني ودوره في التنمية، وصولاً إلى العلاقات الاجتماعية وآراء المستفيدين من خدمات المجتمع، دون أن ينسى تقديم لمحة عامة عن محافظة عكار ودور مؤسسات الرعاية الاجتماعية وأهميتها في المنطقة العكارية التي تعاني من نقص في مختلف الجوانب. يحاول الدكتور "رضوان علي العجل" الاعتماد على المعرفة في تنشيط المفاهيم المتعلقة بخصائص المجتمع العكاري بشكل خاص، والخلفية الأسرية بمستوياتها التعليمية والاقتصادية والاجتماعية، مع أهمية الخدمات والنشاطات التنموية والثقافية. يضع المؤسسات في "منزلة تلي الحكومات والأحزاب السياسية في العالم الصناعي المتقدم". فهل عكار، التي تعاني من الحرمان والإهمال، قادرة على منح الأيتام الخير والعطاء بمؤسساتها؟
يدرك الدكتور "رضوان علي العجل" أن منطقة عكار بحاجة إلى تنمية بشرية تعزز إمكانياتها للمشاركة الفاعلة في بناء اجتماعي ينهض بالمنطقة نحو بناء الإنسان. وتبرز هنا أهمية هذه المؤسسات في تقديم خدماتها الملتزمة بالخير والرعاية، بالإضافة إلى "التنمية المشاركة في تسعة ميادين هي: الأيتام، ذوي الحالات الصعبة، المعوقين، المتخلفين، كبار السن، رعاية الأسرة، المتسربين من المدارس، تمكين المرأة، التنمية، وثقافة العمل الخيري". ويشدد على أهمية التلاحم مع الجمعيات المجاورة والمشاركة معها في تبادل الخبرات والثقافات، لتطوير المهارات عند الفئات الأكثر حرمانًا. فهل عكار، التي تعتبر من أكثر المحافظات التي تعاني من تدني مؤشرات التنمية، قادرة على استثمار طاقاتها البشرية، التي بدأت تنهض من كبوتها التنموية، لتشهد نشوء أجيال جديدة قادرة على ممارسة مهامها في الحياة بشكل سليم ومعافى؟
بنية تحتية للحياة السياسية مرتبطة بشدة بالمجتمع المدني. من ناحية صلاحه أو فساده، يرى الدكتور رضوان أن الساحة الحرة والمنظمة بين الأسرة والدولة تشكل مجتمعًا مفتوحًا حرًا ومنظمًا بشكل ذاتي، لأنه يتفاعل مع الأعضاء وبالقوانين الموضوعة بأسلوبها الديمقراطي. فالمجتمع المدني تطوعي، وهدفه الأول الإنسان، وتهيئته للتفاعل في أدوار الحياة، ليتمكن من العيش ضمن رؤية منظمات المجتمع المدني وقدرته على تقديم المساعدات الإنسانية والحفاظ على حقوقه، وصولًا إلى حماية البيئة. فالمجتمع المدني بكيانه الجماعي ينظم جميع الجمعيات، "ذلك أن المجتمع المدني مجتمع ناشط ومتعدد الاتجاهات"، وهو يمثل الجزء الأمثل من الحياة العامة بمختلف مرافقها، استنادًا إلى اعتبارات أخلاقية أو نقابية أو سياسية، أو...الخ.
تعتمد قيمة البحث النظري والميداني الذي يقدمه الدكتور رضوان عن محافظة عكار على محتواه الغني بالمفاهيم الاجتماعية، مركزًا على أهمية المؤسسات والمنظمات في الشراكة التنموية والحقوقية من حيث تبادل الخبرات والالتزام بالأطر التنسيقية، "منها الشبكة الأهلية التي بدأت تنشط على مستوى تشبيك العلاقات بين جمعيات العالم العربي". يوجه البحث اهتمامًا إلى الجهات التي تستفيد من دور مؤسسات الرعاية الاجتماعية في التنمية، ويتناولها بأسهاب، من خلال مناقشة التنمية ومصطلحاتها من منظور اقتصادي بحت، حيث يشير إلى أن الفكر الاقتصادي الغربي هو الذي وضع مؤشرات التنمية في العصر الحديث، وهو ما جعل بلدان العالم العربي تعاني من خسارة كبيرة بسبب التوجه الغربي الدخيل على العالم العربي الإسلامي.
هذا يستدعي إعادة النظر في عملية التنمية لتحقيق النجاحات من خلال الاهتمام بالإنسان أولًا، كونه المحور الأساسي في أهداف التنمية البشرية المستدامة. إلا أن مفهوم التنمية بشكل عام أصبح مثقلًا بالكثير من المعاني، حيث تتناقض معاييرها التي تقيس حاجات الأمم الأساسية في التنمية الاقتصادية من خلال تحديد مستوى الفرد ومدى استهلاكه السنوي مع خصائص ومزايا الإنسان وإسهاماته في "الدور المنوط به في الحياة، وتحقيق الأهداف التي خلق من أجلها". تظهر الخطة البحثية في الكتاب قيمة العناصر الفردية التي تساهم في شرح النقاط المحورية التي يناقشها الدكتور رضوان في كتابه، ليصل مع القارئ إلى أهمية الإنسان أولًا، ورضاه عن عمله واطمئنانه إلى مهنته، ليتمكن من إطلاق قدراته ومواهبه، ويساهم من خلال تكامل شخصيته في عملية التنمية.
يتضمن الكتاب خطة بحث منهجية تعتمد على تفاصيل تستند إلى مراجع أسهمت في إثراء الفكرة، وتركها تعكس قيمة الإنسان ومضامين رؤاه من خلال مفهوم التنمية، الذي ما زال يحتاج إلى توضيحات خطط لها الدكتور "رضوان علي العجل" بحنكة بحثية ذات استراتيجية فكرية خاصة. على الرغم من أن مواضيع التنمية قد قرئنا عنها الكثير، إلا أن الكتاب يميز نفسه من خلال التركيز على "عكار" و"دور مؤسسات الرعاية الاجتماعية في التنمية"، خصوصًا في مجتمع محلي ضمن محافظة عكار. ينتقل الدكتور من العام إلى الخاص مع مقدمة يلقي من خلالها الضوء على القوة الفاعلة في العالم المعاصر، "بحيث لم يعد دورها مقتصرًا على خدمات رعائية تقليدية"، ليصل في النهاية إلى نتيجة تبرز أهمية البحث في ظل المتغيرات المتسارعة في العالم وحاجة لبنان إلى العمل الاجتماعي للوصول إلى مستوى الدول المتقدمة.
في بحث الدكتور رضوان، تبرز عكار باعتبارها الأكثر تخصيصًا وحاجة للكلام عنها. يقول في لمحة عامة عن محافظة عكار: "عندما تُذكر كلمة عكار أمام أبناء الوطن غير العكاريين، يتخيل الكثيرون منها أنها تلك القرية النائية. ويتبادر إلى الذهن فورًا الإهمال والحرمان والفقر كمرادفات لمعنى عكار." وهذه المعاني تختصر الزمن والأهداف، مما يظهر قيمة البحث في معناه الواقعي والاجتماعي، وحتى الإحصائي، على صعيد عدد القرى فيها، ومتوسط دخل الفرد، وعدد الجمعيات والنوادي. كل ذلك يساعد في توضيح البيئة العكارية للانتقال "بالخدمات من مرحلة الإحسان إلى مرحلة تنظيم المجتمع وتمكينه". فما هو دور المؤسسات الاجتماعية في لبنان؟
قد يفاجئ القارئ في نهاية البحث عند الحديث عن دار الأيتام الإسلامية. فهي تعمل بمنأى عن السياسة وخلافاتها، لأنها تعتمد نهجًا إنسانيًا بعيدًا عن المذاهب والتعصب، وتعمل في مختلف مجالات الرعاية والتنمية، معتمدة على منهج إسعاد وإشاعة التفاؤل "عبر تنظيمها للاحتفالات والمناسبات الحضارية التي تعبر عن الأصالة والحداثة". في هذا الفصل الأخير من الكتاب، وهو الأهم، يشعر القارئ بالمشكلات التي تتبلور في محافظة عكار أولًا، ثم المتطلبات المرجوة فيها وأهميتها من حيث وجود مئات الأطفال في هذه المؤسسة وفروعها، التي اكتسبت ثقة مجمع عكار الذي هو هدف الدراسة وثوابتها البحثية. فهل استطاع الدكتور رضوان في كتابه تسليط الضوء على احتياجات مؤسسات الرعاية الاجتماعية في عكار تحديدًا؟
تم نشره عام 2015