أسلوب تصويري يجسد المكان فيه أساسيات اللقطة
ضحى عبدالرؤوف المل
تتفاوت الخطوط في تحديداتها البصرية، لتشكل متعة ترتقي مع الحواس والزوايا الفنية بمختلف ملامحها المتنوعة ذات المغزى البيئي، المحافظ على جمالية المكان البكر بطبيعته التي تحدد الشكل في أسلوب تصويري يجسد المكان فيه أساسيات اللقطة، تاركًا للزمن أبعاده المتجددة أو بالأحرى المتخيلة، لخطوط واهية يلتقطها الرائي بحس فني مرسوم بتجريد عبر واقع ترك انطباعاته على العدسة، وبعقلانية واعية للاشعور الذي يستفز المصور على الالتقاط، بموازين جمالية خاصة تتبع لمقاييس ومعايير محددة، لتبدو البيئة في الصورة كحلم غامض بأحاسيسه التي تتنازع عليها اليد والبصر والعدسة حيث يظهر أثر الخطوط وقوتها في تشكيل الصورة المساهمة في الكشف عن أسرار التأليف الفوتوغرافي، وقدرته في الحفاظ على مقاييس الجمال في الصورة الفوتوغرافية البيئية بالدرجة الأولى من حيث الجوهر الموضوعي والأسس الذاتية التي حافظ عليها المصور الأمريكي "أنسل آدامز" بين مواءمة الحس الفوتوغرافي مع المكان وطبيعة الجمال الحي في الكون.
أسس علمية ضوئية يحرص على إظهارها المصور الأمريكي "أنسل آدامز" في تصويراته العميقة ضوئيًا، وضمن انعكاسات الظل والضوء، والخطوط الناتجة عن التفاوت بينهما عند اتساع العدسة التي تلتقط التفاصيل الدقيقة لاتجاهات الخطوط، وتشكلاته ضمن أبعاد محورية يحافظ آدامز على توازنها بتبسيط الرؤية، لتشمل الزوايا وتأثيراتها الراسخة في المكان، تاركًا لعبق الزمان اللحظة المجردة من تفاصيله الثابتة في الصورة، وتصميمها الهندسي بضوئية تلامس المعنى العفوي والعلمي بحنكة عدسة تدرك اتجاهاتها في أسس بناء الصورة والتفاعلات البصرية، الناتجة عنها. وقد قيل قديمًا "أن ترى أفضل ألف مرة من أن تسمع". فهل تصويرات "أنسل آدامز" تروي تاريخ الطبيعة البكر بعين عدسة ترى وتحدد الأشكال البصرية الواقعية والمتخيلة بحس فيزيائي يميل إلى السكون والحركة؟
يهتم الفنان "أنسل آدامز" بالضوء ليعكس قيمة الظل في فترة نهارية محددة في أغلب تصويراته تبعًا لميلان الشمس وتناسقها مع العدسة، وربما بسذاجة بصرية تخزن الأبعاد الجمالية فكريًا، وببعد امتدادي عند فجر قمري يظهر من خلاله تكوينات صور تعتمد على الخبرة والتحليل والاستنتاج للوصول إلى صورة غنية بالخطوط، والظل، والضوء، والتشكيلات المرنة البصرية، وبتأنٍ استقرائي بطيء في اعتماد اللحظة المناسبة للالتقاط، ومن زاوية تتناسب مع المساحة، ولحظة الإشراق أو المغيب. في كلتا الحالتين، يحافظ على نسبة الظل المتناغمة مع البيئة الظاهرة في صورة جمالية بضوئيتها الغارقة فيزيائيًا، بخطوط رؤية واهية ومباشرة تتناقض مع بعضها لتولد الحس التخيلي لأمكنة لا زمان لها. ودون مؤثرات تقنية مضافة إلى الصورة، المحافظة على أسس الالتقاط التصويري والإخراج الفني السريع عبر العدسة فقط، ومواءمة موجات الضوء مع حواجز الأماكن ليرتسم الظل بجمالية متوازنة مع الضوء، إلا ضمن اللحظة المقتطعة من الزمن والمكان المتجسد في الصورة المستقبلة لشعاع الضوء المنسجم مع أهمية المكان.
جبال، وسهول، ووديان، ورمال، وسواحل، وشواطئ، وهضاب، وغيوم، وكل ما يرمز إلى الطبيعة النابضة بالجمال البكر الذي يعيدنا إلى بداية الكون، وتفاصيل الأماكن المتشكلة جيولوجيًا بفطرة كونية تميل إلى البعد عن الإنسان. إذ تحتفظ البيئة بتطلعات الإنسان الجمالية، لينفي الزمن من عدسة احتفظت بقيمة المكان، وترك للمخيلة البعد الزمني بقديمه وجديده، وضمن مربع ضوئي يتخذ من مساحته الأطر المتينة لصورة ضوئية حافظت على جمالها عبر السنين. لتقاوم الفن الفوتوغرافي المعاصر بالأبيض والأسود، وعفوية الالتقاط المنظم والدقيق هندسيًا وضوئيًا، وبفيزيائية التناسب والتماثل والحركة الساكنة عند الظل، وبين مسافات الضوء الفاصلة بين الأشياء، وبمسحة فوتوغرافية جذابة بصريًا تثير الدهشة، وتدفع الرائي إلى استكشاف المكان خصوصًا في الفترات القمرية أيضًا.
البيئة في أرشيف عدسة المصور الفوتوغرافي "أنسل آدامز" Ansel Adams.
تم نشره عام 2015 في جريدة المدى