أبعاد جمالية توحي بقوة الفكر التجريدي الموجود في كينونة الكون
ضحى عبدالرؤوف المل
تنشط الحركة اللونية من خلال تجريدات فلسفية لونية في تطلعاتها الحركية المتناغمة موسيقيًا مع درجات الحرارة المختلفة، حيث تتناثر بشكل يضفي غموضًا موضوعيًا مرسومًا بحس حركي فيزيائي، كمتاهات ذات منظور بيولوجي تبث بصريًا انعكاسات ذات أبعاد جمالية توحي بقوة الفكر التجريدي في كينونة الكون وحركته المتناسقة مع الأجزاء الإيقاعية المرتبطة بألوان "سامية حلبي" وريشتها الصارمة، بهدف تحقيق التناسب بين المسافات من خلال موازاة الفراغات الفاصلة، والمرتسمة وفق المخيلة التي تحدد مسار اللون الشفاف، والتفاف أو تكسر اللون الغامق، وضمن درجات تصاعدية تشد في تمددها وتنخفض بين تكسرات الخطوط أو تموجاتها وتعرجاتها ضمن فضاءات الأبعاد المتخيلة مع الطول والعرض والارتفاع. لتوحي بالمكان الكوني الذي ترسمه من خلال التجريد اللوني والحركي، وكان الألوان عبارة عن مجرات تتقارب وتبتعد تبعًا لتأثيرات ضوئية تخبو وتسطع، وتحقق برودة بصرية تزهو من خلالها الألوان الهادئة ذات الصياغة المعبرة عن الكون وحركته من خلال اللون واستقطابه الضوء بمجالات بصرية مختلفة، وبنسبية تنكمش وتنفلح نحو المطلق لنشعر بغموض العلاقة بين الشكل والمضمون، والتنافر بين مفهومي الذاتية والموضوعية، وكأنها تبحث عن مفاهيم الكون ومجراته من خلال الألوان التي تمنحها فلسفة كونية.
صراعات لونية تبحث من خلالها الفنانة "سامية حلبي" عن السلام الداخلي عبر التوازن في قيمة التناغم المنفصل عن قيمة التناسب المرتبط بالوحدات التكرارية، الملامسة لبناءات اللون الواحد وانسجامه مع ذاته ومع الآخرين، لتعالج قيمة الحياة والطبيعة المتآخية مع الإنسان المتصارع معها. فالأسطح المتغايرة في رؤية زواياها اللونية، أو بالأحرى الأشكال التي تعكس الظل بما فيها سرعة الحركة البصرية، المؤثرة على المتلقي، مستخدمة تشكيلات تجريدية إيحائية تسهم في خلق أشكال مرئية تتميز سطوحها بالمعاني المستوحاة من بعد زمني ثالث ذي تجريد متوالف، لكسر حواجز الصمت الفلسفي الدافع إلى تأملات صارخة بالمعاني الفنية وتنويعاتها المجردة التي تتفاوت في صياغاتها الفنتازية والتعبيرية، وإن بأسلوب تجريدي تفاعلي ينفي عنه الرتابة والتكرار في كل لوحة تمتلك بموضوعيتها ذاتية مضمونية، مملوءة بالأحاسيس كمرايا تعكس الزمن، وبشفافية شاعرية تنفتح على مناخات لونية مختزلة بصريًا في أجزاءها، ومبتعدة كليًا عن الواقع، وبتآخي مع الطبيعة وأشكالها المحورية المشرقة ضوئيًا والمتنوعة في تقنياتها ومساراتها التجريدية وجمالياتها الحالمة بتحويل صراعات الألوان إلى إيقاعات ساحرة تتراقص بين متاهات الألوان المخضبة بروح امرأة هي كالطبيعة في ألوانها.
تتميز لوحات الفنانة "سامية حلبي" بقوة تجريدية عقلانية تكشف عن جوهر انفعالات اللون وانضباطه، ضمن الرؤية المحاكية للجزء والكل، لترك المخيلة عند المتلقي تكتشف العمق النفسي للوحة وبمثالية حسية تلتقطها الحواس، بوجدانية تطغى عليها النسق المتخيلة ضمن انضباط الحركة وعشوائيتها، المقرونة بالضوء وسرعته بين الألوان، فتتنقل العين بين الأجزاء المتحاورة والمتجاورة وبتكافؤ محسوس فنيًا. إذ تبدو التشكيلات الفنية ممسكة بالمخيلة عبر رموز اللون من حيث قوته الضوئية وضعفه، وبرودته للانطلاق نحو التحرر التجريدي المتكافئ إبداعيًا مع الرؤية السيمائية ومقوماتها الفينومينولوجية، وبلا واقعية تميل نحو الحقيقة البكر أو الوجود الأول للكون، وبوعي مشحون بالتخيلات السلبية والإيجابية، كصراع الحضارات المتلون مع المفاهيم السياسية والاجتماعية التي تجسدها الفنانة "سامية حلبي" بعمق تحفيزي تجرده من ذاته، لتختلط الصورة المتخيلة مع الشكل ضمن مضمون الجمال التجريدي الذي يدفع البصر نحو دينامية اللون ومعناه الإدراكي لنستشعر قوة الخط المنظم ضمن الوعي واللاوعي التجريدي المتمثل باختراق الواقع للتجريد عبر رمزية التجريد والطبيعة بحقيقتها الجمالية الأولى.
معرض الفنانة "سامية الحلبي" في "مركز بيروت للمعارض" بالتعاون مع شركة "سوليدير" وغاليري "أيام"، ويستمر حتى 26 فبراير 2015.
تم نشره عام 2015 في جريدة اللواء