جرأة عدسة ضوئية صامتة في الأداء فاعلة في إبراز الآثار الفلسطينية.

ضحى عبدالرؤوف المل

تطيع عدسة الفنان الفوتوغرافي الفلسطيني "فادي عميرة" على أرشفة الأماكن المتأصلة الجذور في أرض فلسطين، وبجرأة عدسة ضوئية صامتة في الأداء، فاعلة في إبراز الآثار الفلسطينية وتتخطى الحدود الجغرافية لفلسطين، لتحاكي العالم بجمال أرض مباركة قد لا يعلم قيمة كنوزها إلا الأبناء الذين يتعرضون إلى طمس الأثر من قبل الصهاينة. إلا أن الفوتوغرافي "فادي عميرة" يعتمد على التصوير الواقعي وببؤرة ضوئية محورية تلتقط جمالية المكان بمعالمه الأصلية دون الاعتماد على الفوتوشوب في تغيير الواقع أو دمجه مع أماكن أخرى. إذ يبحث عن الاستجمام البصري الخاص بأرض فلسطين وآثارها القابعة تحت الاحتلال، مؤرشفًا بعدسته الأماكن الأثرية بحس ضوئي يحاكي به العالم من خلال صورة فوتوغرافية ذات جمالية خاصة. مدوّنًا الحدث بتفاصيل الصورة المغايرة بنمطها المعاصر عن إبراز الصراع الفلسطيني الصهيوني، فهو يبحث عن صراع من نوع آخر، أي بمعنى الاحتفاظ بجمالية فلسطين عبر أرشفة بصرية لا يمكن أن تُنسى، وهي كصك ملكية لا يمكن اغتصابه، لأنه حق من حقوق أماكن أثرية لا تموت عبر التاريخ.

لقطة تصطاد اللحظة الضوئية المناسبة لإبراز جمالية المكان.

تغمر العاطفة المحسوسة فوتوغرافيات الفنان الفلسطيني "فادي عميرة" بأسلوب عدسة مفتوحة المدى في تباين وتماثل وتناظر، ومقاييس يضعها ضمن لقطة تصطاد اللحظة الضوئية المناسبة لإبراز جمالية المكان وزواياه المختلفة برؤية متقنة وبشغف وطني ملموس. إن في صورة باب العامود أو في صورة قرية الشيوخ أو مغارة جرسية في قرية بيت جبرين، بلدة الألف كهف في فلسطين، التي تعتبر إحدى المواقع الأثرية والتاريخية المهمة في فلسطين. واحتفظت البلدة باسمها الكنعاني الذي يعني "بيت الرجال الأقوياء". وأهم ما كشف عنه نحو 1000 كهف اعتبرت من الكهوف النادرة وتعود إلى عصور قديمة ومختلفة، ويحيط بها آلاف أخرى من الكهوف تصل إلى 30 ألف كهف. وأطلق على هذه الكهوف وصف "الكهوف والمغار الجرسية"، لأنها بيّنت بطريقة تشبه شكل الجرس، ولكل منها فتحة من الأعلى، ثم تتوسع مع النزول إلى الأسفل، حتى تتشكل الكهوف مثل الأجراس تمامًا. وتضم هذه الكهوف المحفورة في الصخور قاعات، وممرات، وغرفًا، وصهاريج، ومعاصر، ومقابر، ومخازن، ومخابئ، وبعضها يشكل سلسلة من الكهوف وكأنها متاهات متصلة ببعضها عبر ممرات. تقع بيت جبرين في الشمال الغربي من مدينة الخليل، في موقع استراتيجي، على الطرق القديمة المؤدية إلى القدس وبيت لحم والبحر المتوسط. وشهدت انتعاشًا في عهد الإسكندر المقدوني، وتحولت إلى ما يشبه الدويلة المستقلة، وكانت من بين ما عرف بتحالف المدن العشرة، التي ضمت بالإضافة إلى بيت جبرين، مدنًا أخرى مثل جرش، وعكا، وفيلادلفيا (وهي الآن العاصمة الأردنية عمان)، وبيسان، ونابلس. بيت جبرين هي قرية فلسطينية تقع شمال غرب محافظة الخليل وتبعد عن مركزها 25 كم، تقع تحديدًا في جنوب الضفة الغربية. دُمّرت هذه القرية عام 1948م ومن أبرز معالم بيت جبرين الآن، إحدى أهم الغرف (الكهوف) المحفورة في الصخر، والتي لا يوجد مثيل لها في فلسطين، وتعود إلى الحقبة الهيلينية (اليونانية)، أي القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد. وتم تعريف هذه المغارة باعتبارها مقبرة، تحوي بالإضافة إلى أماكن الدفن المحفورة في الصخر، رسومات تعطي فكرة مهمة عن تقاليد الدفن خلال الحقبة اليونانية في فلسطين. وهي المغارة الوحيدة المكتشفة في فلسطين التي تحوي مثل هذه الرسوم الفنية المبهرة، التي تتضمن حيوانات وأدوات موسيقية وأشخاص. وفي إحدى هذه الكهوف بيوت الحمام حيث آلاف من طيور الحمام. ولكل صورة فوتوغرافية من صور "فادي عميرة" حكاية بصرية، مكتوبة محسوسة وملموسة ومؤرشفة في زمن تحكي فيه الصورة ألف حكاية يكتبها بعدسته الضوئية.

لعبة الألوان المغايرة والأشكال المثيرة للحس البصري.

ما بين الضوء والظل، يلعب الفوتوغرافي "فادي عميرة" لعبة الألوان المغايرة والأشكال المثيرة للحس البصري بجمالية طبيعية تضع الحواس داخل المكان، بالأخص صور "مغارة الجرس" وصور القدس الملتقطة وفق الأبعاد الفنية التي تمنح المكان خطوطًا حركية تضيف عليه لمسة عدسة فلسطينية تستنزف بضوءها إعادة الأماكن المسلوبة إلى أهلها. لتبقى ضمن هوية فلسطين الأثرية أو ليبقى المكان لأهله مهما امتدت الأيادي لتسلبه وطنيته، وبفن فوتوغرافي حركي في تنوعه من حيث لعبة الإضاءة والظل والاتساع، وهذا جزء من أسلوب "فادي عميرة" المرن المتأرجح بين الخبرة والعفوية بتشويق يجمع به خيوط بناء الصورة الفوتوغرافية، وضمن أساسيات حسية بصرية تثير دهشة المتلقي. ليتعمق أكثر بالمكان وتفاصيله، والمفاهيم البصرية الجديرة بإثارة الدهشة المدفوعة بإحساس جمالي خاص بالأماكن الفلسطينية التي يؤرشفها كقصص فوتوغرافية تحكي حكاية فلسطين.

ضوء يجبر البصر على خلق محاكاة ازدواجية.

تستولي عدسة المصور "فادي عميرة" على المعالم المصورة، وكأنه يسترد حرية مسلوبة بضوء يجبر البصر على خلق محاكاة ازدواجية تمثل الوعي لشعب يستمد القوة في الثبات من الأماكن التي تحتفظ بإرثها التاريخي، وبعلاقة ذات روابط ثلاثية متينة يشد أواصرها بالجمال، فما بين اليد والعين والعدسة روابط وطنية مشتركة تتباعد وتتقارب تبعًا للحاضر، وكأنه يحتفظ بالماضي للمستقبل وضمن الحاضر المؤرشف بخفة عين تهفو إلى تزويد العالم برؤية فلسطين المحصورة بين براثن الصهاينة. ليحررها فوتوغرافيًا من التبعية الصهيونية، لتكون ملك العالم فوتوغرافيًا وبجمالية عين عاشقة لكل شبر في فلسطين.

تم نشره عام في جريدة اللواء2015