الفنان التشكيلي يوسف غزاوي: "النزوح والمعاناة بؤرة عميقة في تداعي الذكريات ومخزون الألم في كتاباتي وأعمالي"
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
تعالج لوحات الفنان التشكيلي يوسف غزاوي الأفكار الرفيعة المستوى والغنية بالرؤية الإنسانية، من حيث الموضوعات التي تنطوي على المعنى والمبنى، وعلى دلالية الرمز البصري المؤدي إلى استنباط الفكرة وتكويناتها الفنية المترابطة بين الخيال والواقع. ويتميز بأسلوب فني متأثر بالأحداث التي تؤدي إلى مزيد من المشاكل الاجتماعية والوطنية والإنسانية، كما في لوحته الجديدة "نزوح" التي استطاع من خلالها نقل ريشته من حالة إلى أخرى، وفق تأثيرات تزداد مع اللون وتخف مع الزوايا التي يتركها مفتوحة لتأويلات وإيحاءات تثير المتلقي. لأن غزاوي يحاكي الحواس بخاصية اللون والشكل معاً، ليجدد المعنى كما يراه ويشعر به مع الآخرين، بل كانه يرى اللوحة قبل رسمها من خلال أحاسيسه المتعلقة بالوطن والإنسان. لتفوح اللوحة بفن تشكيلي نستكشف من خلاله معنى الحياة التي نهرب منها إليها، حيث النزوح القهري من أماكن تركنا فيها أوجاعنا وأحزاننا وحلم العودة إليها. بدأ حواري مع الفنان يوسف غزاوي عند رؤيتي للوحته "نزوح" وما تمثله من جرح، انتهى بعجوز معاق على كرسي متحرك ولون أبيض يصعب وصفه بالوهم. لأنه يحمل في طياته جميع الألوان الإنسانية التي ما زالت تعاني من ظلم الحروب. وهذه رسالة الفن التشكيلي الأولى هي المناداة بحقوق الإنسان والتوقف عند انتهاكات الحروب التي لا ترحم، وبجمالية بصرية تهدف إلى إيصال المعنى ليترسخ في لوحة يحملها الزمن للأجيال القادمة.
- من غرنيكا الخيام إلى لوحة نزوح... لماذا هذا الانتقال؟
كتابي الأخير "غرنيكا الخيام" هو سيرة ذاتية رسمتُ فيها معانات الوطن بالكلمة، وأستطيع القول إنه نزوح متواصل لأناس هذا الوطن (المقيم والمغترب). وبناءً عليه، أعتبر هذا العمل المنفذ بالأكواريل لمجموعة من السوريين النازحين امتداداً لما خطته يدي بالقلم والروح عن معاناة وطني منذ ولادتي حتى اليوم.
- هل تؤجج من خلال الفن التشكيلي المعاناة الإنسانية في الحروب التي يمثل منها الجنوب الجزء المهم في أعمالك الفنية؟
هذا هو دور الفن التشكيلي في نقل المعاناة بطرق مختلفة، وقد يكون عبر لوحة تصويرية يحتاجها الإنسان ليشعر بالراحة من تعبه، كما فعل الفنان الفرنسي هنري ماتيس. أما الوجه الآخر لنقل المعاناة، فقد زخرت به أعمال الفن التشكيلي عبر العصور، وخاصة بعد الحروب الكبرى، كأن نذكر التعبيريين الألمان وما تلاهم. أما أعمالي فلم تخرج عن هذا الخط الإنساني منذ تفتحي على الفن وبعد امتهاني له كحرفة إبداعية ووسيلة صراخ وبكاء وضحك وألم وأنين وقرف، وما شابهها في الحقل المعجمي للمعاناة في الوطن العربي الظالم والمظلم. لقد عانى الجنوب منذ بدء أزمة فلسطين أسوأ الظروف، وقد لمستُ وعايشتُ هذا الشيء عن كثب بسبب إقامتي هناك قبل "نزوحي" من الخيام في عمر السابعة عشر بعد اجتياح العدو الصهيوني لبلدتي ولمناطق أخرى في الجنوب. فشكل هذا النزوح والمعاناة بؤرة عميقة في تداعي الذكريات ومخزون الألم في كتاباتي وأعمالي.
- يوسف غزاوي ورسالة اجتماعية سياسية تحملها لوحاتك دائماً؟ هل لأنك ابن الخيام؟ أم لأنك الفنان الحامل شعلة "غرنيكا الخيام"؟
"غرنيكا الخيام"، وكما ذكرت في الكتاب، هي مثال عن مناطق كثيرة في الوطن الصغير، وأنا كمثال عن أناس آخرين مروا في ظروف قد تكون مشابهة وقد تكون أكثر سوءاً. والخيام التي تعرضت للتدمير أكثر من مرة فاقت "غرنيكا" بيكاسو (القرية) ألماً ومعاناة، فكانت مشاهدتي للدمار ومعايشتي للمعاناة سبباً في هذا العنوان، وليس لأنها مدينتي تحديداً، لكنها المكان الذي وُلدتُ فيه، والذي يبقى الأجمل والأفضل بالنسبة لنا؛ المكان الأول الذي أدخل النور والألق إلى أعيننا وأعطاها هوية لون الهواء والشجر والشمس والماء، وأدخل صوت من نحب إلى آذاننا وأفئدتنا، وجعلنا نتنشق روائح الفصول، ونلمس التراب الذي سيلفنا بعد حين.
- لوحة نزوح واللون الأبيض ورؤية لنهاية حملت معاني رمزية انهيتها برجل عجوز على كرسي متحرك... لماذا؟
أقول لك بصراحة إن هذه الصورة قد شاهدتها على مواقع التواصل الاجتماعي فهزّتني بقوة مرسلتها. هؤلاء النازحون الذين يصعدون إلى أعلى الصورة وكأنهم يصعدون إلى السماء على عجل، إلى حيث أوجد الرب الراحة الأبدية في عليائه. وهذا الفراغ الذي يحيط بهم كسجن افتراضي في صحراء الوجود شكلوا محرضاً لي على النطق باللون الأبيض. وأقول إن هذه الصورة (اللوحة) تشبه بركاناً يقذف حممه إلى الأعلى بصراخ لا ينتهي، وهؤلاء النازحون يصمّون الآذان بصمتهم. وهذا العجوز المقعد جعل النازحين يعانون الأمر مرتين: الأولى ترك المكان الذي تحدثنا عنه كرمز وحياة ووجود، والمرّة الثانية نقل المرضى والعجزة مع ما يتطلبه ذلك من معاناة أخرى فتكون هناك سلسلة من المعاناة المتواصلة في دائرة الحروب والأوجاع المتواصلة في هذا الوطن العربي العاجز والمريض...
- هل يؤلم النزوح فرشاتك التي تحمل المعاناة الإنسانية أو تحديداً المعاناة العربية؟
الفرشاة تبكي مع الباكين، وتفرح مع الفرحين. هي صديقة الجميع. صادقة ومخلصة وحميمة لا تعرف الزوغان والالتفاف إلا لنقل حركة وقول ما لا يُقال عبر الوسائل الأخرى، فكيف إذا تعلق الأمر بالمعاناة العربية؟ أعان الله هذه الفرشاة من كثرة البكاء والأنين والنحيب...
- الفنان التشكيلي يوسف غزاوي ماذا يخبرنا عن رحلته الفنية منذ البداية حتى الآن؟
رحلة مليئة بالمعاناة والتعب، ومن يريد التفاصيل لوعي ما أقول أُرجعه إلى كتابي "غرنيكا الخيام". رحلة شاقة وطويلة لم تنتهِ معاناتها في وطن يعيش باستمرار ظروفاً غير عادية، لا مكان فيه إلا للدجالين أعداء الفن والحياة والجمال. نحن نصنع الجمال بتعبنا وتعب أعمارنا، فيما الآخرون يقنصون هذا الجمال ليقدموه للآخرين كقبح كنموذج يُحتذى. هذه هي مسيرتي ومسيرة أمثالي. أما من حيث رحلتي الفنية في واقعيّتها فقد بدأت معالمها في الخيام قبل الدراسة الفنية وبدء التخصص في بيروت والخارج (فرنسا)، وهنا الحديث يطول...
- لماذا هذا التعلق بقريتك الخيام وبالجنوب خاصة؟ أنت ابن لبنان عامة ماذا ترسم للبنان عام 2015؟
للأسف، الخيام تحولت إلى مدينة وقد خفّ وقع تعلقي بها كما في السابق. كلنا يتعلق بالمكان الأول كما ذكرت سابقاً، وهي تبقى الحضن الأول والأخير طالما أن الوطن لم يعطني بديلاً عنها. صدقيني إذا قلتُ لك أن كل مناطق لبنان أجد فيها مكاني الأول لتشابهها، ولكن نظراً للوضع المؤسف الذي يمر به الوطن ومناطقه (الانتماءات الطائفية والمذهبية والحزبية وما شابهها) يفرض علينا هذا الانتماء الجغرافي، لا أكثر. أحب لبنان بكل مناطقه وجغرافيته، ولدي أصدقاء موزعين على مساحته. وقد رسمت مناطق وأماكن لبنانية كثيرة، ظهر هذا الشيء في معرضي الأخير في الخيام والنبطية، وسأستمر في هذا الشيء للعام المقبل. رسمت كثيراً لفلسطين: محمود درويش (أكثر من عمل)، الانتفاضة، مفاتيح العودة... أما ماذا سأرسم للعام المقبل 2015 فلا أستطيع أن أضع رزنامة لذلك، لأن اللوحة أو العمل الفني هو خارج هذا التحديد...
- يبرز الواقع في لوحاتك برمزية تاريخية، أتشعر أن الفن التشكيلي يحاكي الزمن بصرياً بحنكة الرؤية المثيرة للذهن؟
لقد مررتُ بمراحل عدة في أعمالي، بدءاً بالتجريد الصافي والتجريدية التعبيرية والتجريدية مروراً بالرموز والتشخيص المجرد قبل الانتقال إلى التشخيص الواقعي وما شابهه. لكن هذا التشخيص يبقى ضمن الحنكة المتميزة للذهن التي ذكرتها كيلا يكون العمل صورة مطابقة للواقع بشكله الخارجي. الفن هو رؤية وتوقعات تختلف عن توقعات المنجمين الدجالين، هو الرؤية الحقيقية التي يعطيها الخالق للفنان عبر الموهبة الصادقة...
- لو أعطيتك ريشة وألوان وطلبت منك رسم لوحة عن أطفال الخيام، ماذا ترسم؟ وعن أطفال سوريا؟
لديّ ريش كثيرة وألوان متعددة، أفضل أن أعطيها لهؤلاء الأطفال ليرسموا رؤياهم، فتكون أكثر صدقاً. حصل هذا الشيء معي أثناء تنفيذي للجداريات الكبرى في ملتقى الخيام بعد التحرير في العام 2000 حيث شاركني الأطفال بوضع بصماتهم في العمل الذي تناول الاحتلال ومعاناته. أعتقد أن أطفال سوريا هم أولى بالتعبير الصادق عن معاناتهم. أنا أبكي في داخلي من هذه المعاناة، لكن متى سيظهر هذا البكاء عبر اللوحات لا أدري. يؤلمني منظر هؤلاء في شارع الحمراء في بيروت، ويبدو أن عنف الحرب في سوريا قد انتقل إلى هؤلاء بدورهم، فنراهم يتضاربون بقسوة! وكأن الحرب الأهلية أبت إبقاء هؤلاء على براءتهم وطفولتهم بعيداً منها ومن جنونها وعبثها وشرورها!
- ماذا رسمت للقضية الفلسطينية؟
كما ذكرتُ لك، رسمت الانتفاضة والعودة، واستوحيتُ من قصائد محمود درويش وصاحب القصائد... فقضية فلسطين هي الأساس، وهي التي ولدت المشاكل في لبنان والوطن العربي بسبب الاحتلال الصهيوني، ففلسطين تبقى البوصلة في الهم العربي.
- أين المرأة الجنوبية في لوحاتك؟
تتعدد صفات وأدوار المرأة الجنوبية كغيرها من الأمهات اللبنانيات. فقد رسمت المرأة الجنوبية التي تنكش الأرض وترتب شتلات التبغ وتحلب المواشي (أتكلم عن المرأة المزارعة المرتبطة بالأرض والعشب). وهناك المرأة الأخرى المتعلمة، المثقفة، الفنانة، الشاعرة، المحامية، الأم، الموظفة، التي تكمل عمل الأولى التي هي بدورها أم ومتعلمة أيضاً. وهناك أيضاً أم الشهيد. فهناك أنواع عدة من الأمهات، ولم أرسم إلا الحالة الأولى... والسبب هو أمنا الأرض. أحب الأرض كثيراً ومتعلق بموجوداتها وما تنتجه.
- نزوح وكلمة أخيرة من الفنان التشكيلي اللبناني يوسف غزاوي للمتلقي، ما هي؟
هذا النزوح الذي نراه في اللوحة لمجموعة من الأخوة السوريين لا يتعلق بهذه الفئة من المواطنين العرب، فكل الوطن العربي معرّض لهذا النزوح، وقد عايشناه في لبنان لمدة خمسة عشر عاماً فاكتشفنا فيما بعد جنون هذه اللحظات وعبثها ومجانيتها. يجب أن نعي أهمية الحرية والسلام ومعنى الحياة والاعتراف بالآخر كمكون مشارك في عملية البناء الوطني، ونبذ التطرّف والعنف، وإلا سنجد أنفسنا نبحث عن أوطاننا الضائعة في مزبلة التاريخ.
- لون تفضله عن الألوان الأخرى وتشعر أن ريشتك تميل نحوه بقوة؟
الألوان كالأولاد يصعب التفريق بينها لسبب وحيد وهو أنها تكمل بعضها البعض. اللون يأخذ مداه ومعناه وألقه من الألوان الأخرى المجاورة له، فكلها جميلة بالرغم من انحيازي اللاواعي للأزرق في بعض الأحيان، الموجود علمياً في كل الألوان والظلال والضوء.
- عام 2014 لم يحمل تشكيلياً قوة في المعارض لمشاركة الفن السوري المعارض اللبناني وقد تنوعت بمعاناتها وأسلوبها الفني، ما رأيك؟ وهل هذا إيجابي أم سلبي برأيك؟
كان للحضور الفني السوري وقعه في الساحة اللبنانية، وقد عرف الفنان السوري كيف يُعبّر عن واقع المأساة لديه وهذا شيء مهم وجيد، في حين أن هذا الشيء لم يعرفه الفن في لبنان، أثناء الاحتلال الصهيوني واعتداءاته المتواصلة والحرب الأهلية، بهذه القوة والزخم الذي يعرفه الفنانون السوريون. علماً أن الفنانين العرب، ومن ضمنهم السوريون، لم يشاركونا هم الحرب فيما مضى بأعمالهم، وهذه هي مصيبة العرب الأولى... للأسف.
- ما رأيك بالفن الفوتوغرافي الذي بدأ ينشط في الساحة الفنية اللبنانية، ومتى تتنافس العدسة مع الريشة؟
للصورة الفوتوغرافية دورها وحضورها الدائم، وأصبح كل إنسان فنان مع وجود الهاتف المحمول الذي يستطيع القيام بمهمة الكاميرا. عرفت الصورة الفوتوغرافية في العالم، وتعرف دائماً، حضوراً قوياً في المعارض والساحات الفنية، وهذا شيء طبيعي مرده تنويع وسائل التعبير الفنية. فقد استعمل الفنانون التشكيليون الصورة الفوتوغرافية في لوحاتهم، كأن أذكر على سبيل المثال الفنان البريطاني "ديفيد هوكني" الذي عرف كيف يستعمل الصورة كمُرسلة تشكيلية وليس فقط عبر التقاط الصورة وإظهارها مع بعض البراعة في لعبة الضوء والظل كما يفعل الفنانون في بلدنا... للأسف، نحن دائماً مقلِّدون (بوضع الكسرة أسفل الشدة فوق اللام- اسم فاعل وليس فاعلاً).
تم نشره في مجلة الهدى عام 2015
الحوار مع الفنان التشكيلي يوسف غزاوي يسلط الضوء على جوانب متعددة من تجربته الفنية، وعلى موقفه الإنساني الراسخ تجاه المعاناة التي يمر بها الإنسان في مختلف أنحاء العالم، وخاصة في الوطن العربي. بصفتي ناقدًا تحليليًا، يمكنني تقسيم هذا الحوار إلى عدة مستويات نقدية، مع التركيز على تأثير الأعمال الفنية للفنان على المتلقي، وتفسير دلالاتها الرمزية، بالإضافة إلى السياق التاريخي والاجتماعي الذي يعكسه.
التجربة الفنية والإنسانية:
يوسف غزاوي يتناول في أعماله موضوعات اجتماعية وسياسية عميقة، إذ يربط بين الفن والألم الذي يعانيه الوطن العربي جراء الحروب والنزوح. ما يلفت النظر في الحوار هو الطريقة التي يعبر بها غزاوي عن آلامه الشخصية في لوحاته، من خلال انتقاله من "غرنيكا الخيام" إلى "نزوح". يمكن القول إن غزاوي لا يقدم لوحات فنية فقط، بل يعبر عن جروح وطنية جماعية تحمل رمزية تاريخية مؤلمة. وهو بذلك يعكس الأسلوب الكلاسيكي في الفن التعبيري، الذي لا يتورع عن نقل آلام الشعوب عبر ألوان الريشة وتهويماتها الرمزية.
الرمزية واستخدام الألوان:
يركز الفنان في لوحاته على الرمزية البصرية، حيث يرى أن اللون الأبيض في لوحة "نزوح" يمثل ألوانًا إنسانية متعددة، وفيه تجسيد لمجموعة من المشاعر، بينها الأمل واليأس، الألم والحلم. هذا الاستخدام للألوان ليس مجرد أداة تشكيلية، بل وسيلة للإشارة إلى حالات نفسية واجتماعية معقدة. اللون الأبيض، في سياق غزاوي، يتجاوز كونه مجرد اختيار جمالي ليصبح إشارة إلى الفراغ واللاإنسانية التي تنتج عن الحروب.
النزوح والمعاناة:
تستمر فكرة النزوح، التي هي محور الحوار، كموضوع رئيسي في الأعمال الفنية لغزاوي. هو لا يقتصر على تصوير آلامه الخاصة أو مأساة الجنوب اللبناني فقط، بل يوسع رؤيته لتشمل جميع اللاجئين والمشردين في أنحاء العالم، وأخص بالذكر السوريين. كما يعبر عن ألمه العميق نتيجة معايشته لتجربة النزوح، ويقدم هذه التجربة من خلال شخصية العجوز المقعد الذي يعاني معاناة مضاعفة – ترك المكان والعيش في حياة متحركة رغم العجز. هنا يكمن أعمق تجسيد للمعاناة الإنسانية التي لا تنتهي، كما يراها غزاوي.
السياق الاجتماعي والسياسي:
من خلال الحوار، يمكن ملاحظة أن غزاوي يحاكي الواقع العربي المعاصر في لوحاته، مؤكداً أنه لا ينحصر في قضية وطنية واحدة مثل لبنان أو سوريا، بل يشمل جميع الأوضاع الاجتماعية والسياسية في الوطن العربي. يربط بين النزوح في فلسطين ولبنان وسوريا، حيث يُعتبر الفن وسيلة للتعبير عن هذه القضايا الملحة. كما يبرز في حديثه عن "غرنيكا الخيام" كيف أن تدمير الخيام وتعرضها للقصف أكثر من مرة كان له أثر عميق في تشكيل رؤيته الفنية. قد يعكس هذا التدمير، كما في الأعمال الفنية العالمية الأخرى مثل "غرنيكا" لبيكاسو، واقعاً مأساوياً لا يقتصر على جغرافيا محددة بل يربطها بمأساة إنسانية شاملة.
المرأة الجنوبية في لوحاته:
تعد إشارة غزاوي إلى دور المرأة الجنوبية محورية في بناء سياقه الاجتماعي. يوضح كيف أن المرأة اللبنانية، وخاصة الجنوبية، تعيش في سياقات متعددة، بدءًا من كونها أمًا مزارعة إلى كونها أستاذة أو فنانة. وبذلك يعكس غزاوي التنوع الاجتماعي في مجتمعه، حيث يشير إلى أن هذه الأنماط المتنوعة تندمج في رسالته الفنية التي تحمل في طياتها موضوعات النضال والمقاومة، مما يعكس الجوانب المعقدة لمجتمعٍ يعيش الحروب والآلام.
الرسالة الاجتماعية والسياسية:
من خلال هذا الحوار، يبدو أن غزاوي لا ينفصل عن القضايا الاجتماعية والسياسية التي تشهدها المنطقة، بل يراها جزءًا من رسالته الفنية. وتأتي هذه الرسالة معبرة عن ضرورة السلام والحريات العامة، معتبرًا أن الفن ينبغي أن يكون وسيلة لمناشدة الضمير الإنساني. التصريح الأخير في الحوار حول أهمية الحرية والسلام وضرورة الاعتراف بالآخر هو دعوة فلسفية واضحة تجسد فهم غزاوي العميق لدور الفن في مخاطبة الإنسانية بأوسع معانيها.
التنوع في الأساليب والتقنيات:
يتمتع غزاوي بتنوع ملحوظ في أساليبه الفنية، فقد بدأ بالفن التجريدي وتنوع بين الأساليب المختلفة مثل التجريد التعبيري، والرمزية، وصولاً إلى التشخيص الواقعي. هذا التنوع يعكس مرونة فنية وقدرة على التجدد، كما يعكس تطورًا مستمرًا في رؤيته الفنية.
الحديث مع يوسف غزاوي يعد فرصة لفهم العلاقة العميقة التي تجمع بين الفنان ومعاناته الشخصية والجماعية. هو فنان عميق الوعي بقضايا الإنسان، يستخدم الريشة كوسيلة احتجاجٍ وصرخة ضد الظلم، ويجمع بين الجمال والألم في أعماله. يظل الفن بالنسبة له هو الأداة التي تحاكي الزمن وتواجه التحديات الاجتماعية والسياسية بشجاعة، داعيًا إلى استمرارية البحث عن الجمال في عالم يعج بالمعاناة.