الاندفاع البصري في رؤية التفاصيل الحادة فوتوغرافيًا في الحروب

توقيت صورة الحرب

ضحى عبدالرؤوف المل

يبدأ مصور الحرب "إدوار إلياس" (Edouard Elias) بالتقاط صوره الفوتوغرافية من اللحظة الحاسمة التي تثير انفعالاته ورؤيته المختصرة في تقديم صورة تحاكي الحقيقة بأقل العناصر المؤدية إلى تمثيل الفعل من انتهاكات وقتل وتعذيب وحروب ومقاومة، وأمكنة بارزة تمثل الزمن والمكان وأهمية التوثيق الصحفي للحدث الذي سيخاطب به الملايين بصريًا. مما يؤثر على الرأي العام، فالمصور الفوتوغرافي في الحروب هو القاضي المباشر لملايين العقول البصرية التي تنتظر الصورة لتؤكد على أهمية الحدث ومصداقيته. إذ يقتنص من الزمن الفعل المحاكي للخبر، ومن العدسة التكوين الفني لسرعة الضوء التي يحارب بها الأحداث، فتلتقط الصور للضحايا أو للجثث والأشلاء والتي تحتاج إلى جهاد فوتوغرافي من نوع خاص. فالجندي الذي يحمل السلاح ويقاتل من أجل قضية مصيرية لا يختلف عن المصور الفوتوغرافي في الحروب الذي يقاتل بالضوء حفاظًا على الحقيقة وتفاصيلها التي بموجبها يتكون الماضي الذي تؤرشفه صورة تؤرخ لمرحلة جديدة قد تسبب صراعات أيضًا بين الموالاة والمعارضة في قضايا الحروب وأحداثها أو حتى في قضايا انتهاكات حقوق الإنسان وعدم احترام الإنسانية لحق الأسير أو جرحى الحروب.

تقارير الصور الفوتوغرافية

يمحو الزمن تفاصيل اللحظات الحياتية القديمة وتؤرخ الصورة معالم المكان لتؤكد على اللحظة وأهميتها في تقرير الحق المكتسب أو الحق المنتهك، وهذا يعتمد على إتقان المصور في التقاط المزايا والمعايير بأوسع نظرة وأضيق بؤرة، بحيث يجمع الكثير في القليل وبخلال زمن لا يتعدى الجزء من الثانية. لكن تستقل الصورة الفوتوغرافية عن الفنون الأخرى بوصفها صورة تحمل شرارتها تقارير بصرية عن الحروب ومجرياتها دون اللعب بتفاصيلها عبر برامج إلكترونية مخصصة لذلك. إذ يتركها المصور "إدوار إلياس" واسعة في رؤياه ليحفظ حق الصورة ومصداقيتها باعتبارها مستقلة عن الفن ومتلاحمة معه. لأنها ترى ما لا يستطيع الآخر رؤيته وتحمل سلبيات وإيجابيات المواقف الراضية والمستنكرة على السواء مع احترام حرية الآخرين في عرض الصورة أو عدم عرضها لما تحمله من خصوصية نمطية في الحروب. إلا أنها عدسة ذكية ودقيقة الملاحظة وسريعة البديهة تحتاج لديناميكية في السرعة والالتقاط وتكثيف الحس الفني أيضًا في معنى الحروب وصورها الفوتوغرافية.

معركة الصورة

تبدأ الصورة الفوتوغرافية حروبها مع الخبر في الحرب وحتى قبل الحرب أحيانًا وبعد نهايتها. إذ تبقى بصريًا مفتوحة أمام المشاهد باتساعها وتفاصيلها وحتى تقريرها البصري الذي يعيد الحدث إلى الحياة، فلا تنسى الصورة ما ينساه الزمن لتتهيأ إلى أرشفة تسجل من خلالها ريبورتاجاتها المتتالية وفق تواريخ الصورة وما تحمله من مراحل متقدمة في الحروب، كما في صورة المصور "إدوار إلياس" خصوصًا أثناء الحرب السورية وما تمثله من قتل ودمار، لتبقى ضمن الشاهد على العصر وبتقنية التصوير التقريري الحقيقي والصادق، المحمل ببيانات يمكن تركها لجيل يبحث عن التاريخ الحقيقي ضمن الصور الفوتوغرافية المتغلغلة في أعماق الحروب المدمية لأنها بمثابة لغة عالمية تحكي ملحمة الحروب المؤثرة على الشعوب كافة. فإن نسي الإنسان الحدث القتالي في الحروب، الصورة لا تنسى.

نقاط القوة والضعف في صور الحروب

تفتح عدسة مصور الحروب حدودها لتنقل التفاصيل بحذافيرها قبل أن يعيد مشاهدة ما تم تصويره، حيث يبدأ بفرز الصور التي تحمل في تفاصيلها نقاط الضعف والقوة للخبر الذي يريد إيصاله بصريًا للمشاهد، وهذا يحتاج لمصداقية كبيرة ولشجاعة ترمي إلى إظهار ما يريد إظهاره المصور بعيدًا عن السياسات المتجاذبة التي تستطيع تغيير مجرى الحرب، لكنها لن تستطيع تغيير مجرى الحقائق من خلال صورة. لأن التحليلات البصرية التي تتعرض لها صور مصوري الحروب لا تقل عن التشريح الطبي حيث يمكن للناقد تشريح الصورة ومعرفة دقة نقاطها، ولمن توجه! وما الذي تريد إيصاله. إلا أنها عدسة لا حدود لها مهيأة في كل لحظاتها إلى الالتقاط ضمن نقاط يحددها المصور ببراعته الخبرية والقدرة على محاكاة الخبر بصريًا قبل أن يتم رؤيته من قبل الآخرين، فهل استطاع المصور "إدوار إلياس" من رؤية الحرب السورية وأحداثها بالعين البصرية التي تجمع التفاصيل لتبقى كشاهد على حرب نهشت الجسد السوري بفظاعة لا تقل عن الحروب الملحمية الأخرى؟

أسبقية العين في تناول الخير

تسبق العين العدسة في تحديد اختياراتها وقد تلتقط الصورة ما لا تلتقطه العين. إذ تحتفظ بتفاصيلها ضمن لوحة حروبية تتخطى ما هو مقبول أو مسموح في الحروب، بل وتصبح قادرة على المحاكمة المشروعة التي تناشد الضمير الإنساني للكف عن القتل والدمار وانتهاكات لحقوق الإنسان، أيضًا إظهار سلوكيات رجل الحرب وتفاصيل حياته في الجبهة المفتوحة على مصارعيها للموت المفاجئ إن لمقاتل الحرب أو لمصورها أو لضحيتها، وما يؤمن به من خلال أفعاله المصورة بعدسة تسعى إلى خلق حوارات داخلية بين العدسة والمتلقي والمصور. لتكون حرة برأيها وبخلاصة رؤاها لما تعتبره من يوميات الحروب التي يصورها مصور الحرب بفنية عالية وبصفاء عدسة يتم اختيارها لتلتقط مساحات واسعة بأقل زمن أو بالأحرى أقل لحظة، فالعين هي العدسة الأولى في تقرير وضعية الصورة ومتى وكيف يتم التقاطها، وما هو مسموح وما هو غير مسموح احترامًا للإنسان ولحقوق الآخرين.

عمق الميدان القتالي

قد يشعر الرائي بألفة الجنود للحروب. إذ تظهر العدسة مدى ارتباطهم بقضية يقاتلون من أجلها، وهذا يعزز الانطباع بدقة الصورة وارتفاع معنوياتها كونها عدسة متواجدة في ساحة الحرب ومع المقاتلين مباشرة. مما يهيئ لها قوة التأثر والتأثير لخلق انفعالات عاطفية عند المشاهد، ليتعاطف ويستنكر هذه المشاهد التي تنقلها الصورة من مكان الحدث حيث تبدو الإصابات والمعاناة والقتلى مأساوية لتكلفة حرب بشرية تضر بالإنسان وبموطنه أو بالأحرى البشر والحجر، وهذا يحتاج لأخلاقية عالية عند المصور إذ ترتبط عدسته بمفهوم الموت والحياة والسرعة القتالية أو التقنية القتالية عند الجنود أو المحاربين في الشوارع والأزقة، بالتالي فإن عمق الميدان هو عمق العدسة في إظهار وحشية الإنسان في الحروب مهما كانت أهدافها، فللصورة روايتها البصرية الخاصة عن الحروب. لأن تأطير اللقطات قد يتجاوز الواقع المتزامن مع الدمار أو القتل لرفع المعنويات عند الجنود أو لخلق إحباطات نفسية عند العدو، في كلتا الحالتين تبرز أهمية الصورة في عمق الميدان القتالي.

معرض المصور الصحفي "إدوار إلياس" (Edouard Elias) في معرض المركز الفرنسي بيروت (Galerie de l'Institut français) ويستمر لغاية 9 كانون الثاني 2015

تم نشره في جريدة اللواء عام 2014