من هم أقوياء الزمن الماضي؟
قراءة في كتاب "شعوب الشعب اللبناني" للكاتبين حازم صاغية وبيسان الشيخ
ضحى عبد الرؤوف المل - dohamol@hotmail.com
يكفي أن يشهد لك الأعداء بالاعتدال، وهذا ما أوضحه كتاب "شعوب الشعب اللبناني" الصادر عن منشورات دار الساقي، للكاتبين حازم صاغية وبيسان الشيخ. إذ ترك الكتاب انطباعات مختلفة في ذاكرة القارئ من حيث الوقائع ومصداقيتها وأسلوبها في التفرد الموضوعي أو مصارحة الزمن، الذي عاد بالقارئ إلى زمن الرموز الظاهرة في مدينة طرابلس مثل ساحة "عبد الحميد كرامي" التي تحولت إلى ساحة النور مع بدايات التغيرات التي بدأت في طرابلس أيام "أحمد القدور" ودولة المطلوبين المدعومة من منظمة فتح. فهل دفعت طرابلس فعلاً أكلاف قضايا السياسة الإقليمية باهظة؟ أم أن جغرافيا المدن اللبنانية وبيئتها هي التي تحدد هذا وبأيدي أبنائها؟
رؤية تناقش واقع الرئيس نجيب ميقاتي بتلميحات لم يغرق فيها حازم أو بيسان. إلا أن للكلام واقعه، وهذا ما تفرضه مصداقية الكتاب، وبدون تحيز. إذ يرى بلال دقماق أن "ميقاتي بلا تاريخ أسود ولم يؤذِ أحدًا"، إلا أنه ارتكب خطأ بتشكيله هذه الحكومة وتحالفه مع السوريين وحزب الله. ولكن نسي بلال دقماق أنه جنّب لبنان الحرب الكبرى واستطاع تحمل الانتقادات اللاذعة ليس في سبيل السلطة، وإنما من أجل لبنان، ولهذا حاول حازم وبيسان توضيح تلقيبه من قبل بلال دقماق بـ "دولة الرئيس"، تاركين للألقاب ميزة التحليل النفسي التي تنطقها الألسن. وهذا من جمالية الموضوعية التي لا تحيز فيها. إذ يشعر القارئ أنهم يجمعون الأحداث ويضعونها بين متناول القارئ ببساطة ودون مناقشة تؤدي إلى الميل لهذا الفريق أو ذاك، ولكن من هم أقوياء الزمن الماضي؟
ماضٍ يزداد ابتعادًا، وبيوت شرقية بديعة في منطقة الكويرة وساحة الأمريكيين، وحركة النزوح والتغيير الديموغرافي، وإسقاطات في الرؤية السياسية على ما يحدث الآن، وما نراه من تراكيب سكانية تدمج هذا مع ذاك، وتفصل ذاك عن هذا وصولًا إلى قيم الوافدين الريفيين إلى طرابلس. فهل هذه محاولة لإعادة نظر في الأنساب الطرابلسية وتحديد الهويات الجديدة التي يجب مراعاتها أثناء قراءة هذا الكتاب؟ فلماذا القول بهذا تجني على نفسها براقش؟ تدفعك الحقائق إلى المزيد من التحليلات المتأثرة بالأسلوب الاستطلاعي للآراء ولجمع المعلومات المهمة للخوض أكثر نحو الطوائف وتحولاتها في زمن الحرب السورية وحتى يومنا هذا، أيضًا. فما نقرأه في كتاب حازم وبيسان إنما هو دعوة للتفكر في أحوال طرابلس وبقية مناطق لبنان دون الخوض في مسألة عكار التي أوضحت مداخلها المقدمة القصيرة، حيث اختزلت السؤال السابق باللاحق: هل المقصود بالأرياف أنها ثقافة دخيلة على طرابلس؟ وإن كانت كذلك، أليس من عاش فيها جدّه بات منها رغم أصوله الريفية؟
سر الانكماش من تبخر الوعود وضآلة المساعدات والضمور الشعبي صفة تتخذ في معانيها قيمة الزعامة وما تنطوي عليه الحقبة الاستقلالية وركائزها المبنية على التجارب والتكرار والمسافة الفاصلة عن بيروت التي أصبحت أكبر كثيرًا من 80 كيلومترًا. فلماذا التأكيد على أن طرابلس مدينة فاشلة والتدخل في نتيجة المعادلات التي يستنتجها القارئ؟ إذ كان من الأولى عدم الإفصاح عن هذا الحكم الجائر بحق مدينة طرابلس في كتاب تميز أسلوبه الكتابي بالعرض التصويري والبحث والاستقصاء، وترك الرؤية للقارئ على حريتها كي تتبلور مع التفاصيل كلما اتجه نحوها فكرًا واستنتاجًا وتحليلًا، فماذا بعد؟
مصطلحات الأدب السياسي الطرابلسي وتخصيص كلمة "مظلومية" التي تعود بداياتها حين عوقبت المدينة لتأييدها الوحدة السورية. "على أن الثمانينات تبقى مفصلًا أساسيًا من مفاصل الوعي هذا." فهل مخلب القط جارح في كتاب يضيء بصيرة القارئ ويتجه بها نحو زمنية الفعل المخطط له منذ سنوات؟ فالإيحاءات المبطنة لاذعة في أحكامها الفاصلة المعتمدة على المظهر والجوهر معًا، إن من حيث الشخصية وشكلها أو من حيث المواقف وتناقضها مع المبادئ والأساسيات. فعن أي ربيع إسلامي يتحدث الشيخ عمر بكري؟ وعن أي خلافة يشير إليها؟ وما هو الإسلام الفعلي والحواضن الجهادية؟ والشيء المقلق، فلكل مفردة من هذه المفردات مدلولاتها في الكتاب. فالسياق السياسي في تقصي الحقائق دقيق في منحاه السردي أو التصويري، ليرتبط القارئ بالكتاب، فلا يستطيع الإفلات منه قبل الوصول إلى النهاية لمعرفة ما يريد حازم وبيسان من الوصول إليه. إذ تبدو كلمات "عاصمة الشمال مدينة لا تعمل ولا تلهو، إنها تصلي وتقاتل" ظالمة في حق شعبها الباحث عن طرابلس الجمال.
مناطق لبنانية متعددة ندخل إليها سياسيًا ونخرج منها بخفي حنين، إذ تبدو المعالم لكل مدينة كأنها لشعوب مختلفة وحدها لبنان بأرزته وعلمه وتنازعتها أهواء الانتماءات السياسية والدينية. فالمحكومة بالأدوات الأشد تأثيرًا لا تشبه النبطية حتى من ناحية النساء الأكثر انفتاحًا بين الجنوبيات حيث الصفاء الشيعي طائفيًا. إلا أن لضمور بعض الوجوه السياسية تأثيرات بدأت مع حركة التحرر العربية ومفاهيم استدركها الفعل الزمني ليرسم دهشة واسعة على وجه القارئ. فالتفاصيل هي حقائق لا يستطيع أحد إنكارها حتى ضمن رواية "مريم الحكايا". إلا أن العمران الهائل بين 2006 و2012 له نوازعه وأسبابه وتحدياته التي رفعت من رصيد البعض وصلاً إلى "أن قصته تلخص أحوالنا." فالكتاب اختزالي الطابع وواضح في سماته واتجاهاته كلما توغلت في المناطق التي يدخلها القارئ مع حازم وبيسان بوعي زغرتاوي وفائض التاريخ في كتاب لا يصمت عن صغيرة أو كبيرة في رؤاه.
حروب العائلات وشخصنة الزعامة الزغرتاوية مع التطهير العائلي الذاتي والحياة الفعلية المتخيلة، مما يدفع القارئ للوقوف هنا كي يتم تعديل الأفكار، كأن الكتاب يحاكي ذهنية القارئ قائلاً: صدق أو لا تصدق! وفي هذه الحالة التي تجعلك بين مفهوم القراءة ومفهوم الحوار الذاتي، تلجأ إلى قراءة المزيد، وكأنك ترى نتائج كل الوقائع ضمن ما يحدث اليوم مع صعوبات التوفيق بين عالمين متضادين. فالكلام عن بعلبك متشابه من حيث التحليلات الاجتماعية والسياسية، لكن في بعلبك ظهرت السياحة الدينية التي اختلفت بمظاهرها عن السياحة الأثرية لما تتميز به بعلبك لأنها كنز السياحة في لبنان بأعمدتها المشهورة وفلكلورها البعلبكي، مع ما "ارتبطت بعلبك به ارتباطًا وثيقًا وتقليديًا بسوقي حمص ودمشق، لكن الشهابية أتاحت لها التحول بوابة مشرعة على سورية وبوابة سورية مشرعة على لبنان." وهذه النوافذ الزمنية المفتوحة في الكتاب للقارئ الذي يعيش مع التاريخ بأسلوب حكائي تصويري يميل إلى عرض الوقائع مع منح الذهن فرصة استنباط التحليلات المناسبة التي يقودها فكر الكتاب بأسلوب محنك وديناميكي، فلا يصاب القارئ بالضجر حين قراءة تواريخ الشعوب في المدن اللبنانية التي انطبعت بتياراتها السياسية المتناقضة مع بعضها البعض، أقلها بين طرابلس وزغرتا وبعلبك والنبطية. فماذا بعد؟
توغل في المناطق اللبنانية بين شعوب تلتقط من ملامحها ما هو بيئي أو تراثي أو ما هو بارع في المسايرة والتعبير، إذ تعتمد بيسان وحازم على التحليل المثقل بالمعاني والرمزيات، وبأسلوب مبطن يميل إلى الإيحاء بما يهدف إليه الكتاب. "فهذه الأماكن وهؤلاء الناس، لكل منهم دلالات، بعضها ضارب في القدم، وبعضها في الطبيعة، وكلها على نحو أو آخر، تقييم جذوره في مقدسات المارونية الأولى وصوفياتها." فالحديث يعتمد على التشويق والإثارة للقارئ. فما بين الديني والطبيعي، تواصل جغرافي وقرابي، وخصوصًا أن ثقافة البشراوي الشجاعة والرجولة مع ما تمتلكه بشري من صفة مشرقة كونها أصفى أقضية لبنان مارونية، فالعمق البشراوي مرتبط بسمير جعجع كما الشوف يرتبط بالعمق الدرزي المتوحد حتى في خلافاته. فعاصمة الانعزال الدرزي لتبوأ الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الزعامة تبعًا لتحليلات بيسان وحازم إلى ما هو الشعور بالانتماء الطائفي والإحساس بالقوة والاعتزاز، ومهارة وليد جنبلاط الخبير بأكل الأكباد والواثق بنفسه، مع ما يمتلكه من قوة ملاحظة وسرعة بديهة. "ومن دون مبالغة، يمكن القول إن وليد جنبلاط ليس زعيمًا درزيًا، بل هو زعيم الدروز العابرين للحدود الوطنية." فهل أتوقف هنا لأترك للقارئ الغوص أكثر في هذا الكتاب؟
حقيقة، أعتذر من استطالة مقالتي هذه الانطباعية عن كتاب يجبرك على قراءته، فما بين تواطؤ وتكامل وتنظيم المشايخ تباهي وتعالٍ في المواقف مع الانتباه لسورية السوريين وتدبير أمرهم إذا راحوا يتكاثرون. وهنا تحتاج إلى إعادة الرؤية التي تكونت عن الشوف وبيت الدين والقرى الدرزية بغض النظر عن جزين وبؤس التعايش. "إذا صح أن القضاء لم يحصل على ما يستحقه من تصدر سياسي." فجزين اعتبرها حازم وبيسان مصغر لبنان. كتاب ذو أفكار تحليلية وتتابع في الآراء التي أخذت بعين الاعتبار لما تحمله من بينة في تقديم دراسة عن المدن اللبنانية وميزتها كزحلة ومشكلة الهوية الدائمة والتعدد الصيداوي العبء على أهله، صور والبترون وكسروان وغيرها. هنا أترك القارئ لاكتشاف الباقي، لأن الكتاب يمنح القارئ صورة عن التنوع في لبنان، سلبياته وإيجابياته، فهل فعلاً نحن ضمن شعوب في شعب لبناني واحد؟
تم نشره في جريدة المدى 2014