المرأة بريشة تشكيلية تحاكي الحس الفني العام
ضحى عبدالرؤوف المل
تهدف جمعية "تكوين" في معرضها الذي أقيم في قصر الأونيسكو إلى إبراز أهمية الجمال في المجتمعات للتخفيف من العنف ضد المرأة، وذلك من خلال مخاطبة بصرية عبر لوحات لفنانات يعالجن موضوع المرأة بريشة تشكيلية تحاكي الحس الفني العام. فقد جمعت اللوحات المرأة جمالياً، معبّرة عن معاني تأثرت بالمعنى والمبنى في الرؤية والمعالجة. إذ تبدو لوحة الفنانة "إخلاص عبدالرزاق" بمعالمها المعتمة وكأنها وضعت المرأة التراثية أو القروية في الماضي، حيث تمسك بسيجارتها بجرأة واضحة، وذلك عبر العيون التي منحتها قوة تعبيرية في بورتريه يعكس صفات المرأة في الماضي، حيث تُبرز تفاصيل الملامح بتعبيرات شيخوخة امرأة مرسومة بألوان تميل نحو الغوامق، مما يرمز إلى الماضي.
ثم ننتقل مع لوحة الفنانة "آية أبو هواش" وجمالية الجسد الأنثوي الذي يعجز عن مواجهة المجتمع. فقد ضجّت الزوايا بالمعاني المرسومة ضمن إيقاعات تحاور الحواس، مع الحفاظ على الحركة التجريدية في خلفية سينوغرافية تجمع الواقع بتعابير تجريدية مبهمة، بحيث وضعت المرأة بعيداً عن مواجهة ذاتها بأسلوب إيحائي ينطوي على ضعف المرأة وجمالية وجودها في آن.
لا يمكن للمرأة أن تنفصل عن المعنى الوجودي لكينونتها في تكوينها الداخلي والخارجي. فالمعنى العام في لوحات الفنانين المشاركين في المعرض هو المرأة بكل مراحل حياتها، وضمن رؤية معاصرة تبرز تحولاتها وتغيراتها في المجتمع الشرقي، وحتى في المجتمعات الأخرى المناهضة للمرأة والممارسات الخاطئة التي تساهم في تعنيفها. فهي أساس كل لوحة كما هي أساس الحياة التي تخوضها، إن كان في سيادتها وتربعها على المناصب العليا التي كانت محرومة منها في الماضي، كما في لوحة الفنانة "ردينة اللقيس"، حيث تم تجسيد الفروقات بين الماضي والحاضر، بين لوحة معلقة في الماضي وامرأة على كرسي مرسومة بواقعية، حيث لعبت الألوان في تدرجات اللون الواحد مع الحفاظ على جمالية الضوء بين الداكن والغامق.
أما رؤية الفنانة "سيلفي علم"، فكانت سريالية في التوحد الملائكي والازرق المتخيل مع الذات، حيث اندمجت بين الأنا والآخر، مما يعكس محو التمايز بين الرجل والمرأة، والغرق في رومانسية بعيدة عن الواقع، هاربة بذلك من التجاذب الكلي بين الكائنين والصراع بين المرأة والرجل.
تترك لوحة "سناء مكي" انطباعات متعددة بلغة ربيعية، حيث تظهر امرأة حالمة تنظر إلى البعيد بالأبيض والأسود، مع قليل من الأحمر والرمادي، حيث يبرز الضوء الخجول بلغة إيحائية في حركات منمنماتها أو الزركشة الحياتية المحيطة بالمرأة الصامتة وسط أبعاد تتراءى منها كينونة المرأة المتحررة، القادرة على الاحتواء. بجمالية ريشة تُخوض في رومانسية المعنى الأنثوي الذي تحافظ عليه المرأة بشكل خاص.
كما أن بورتريه الفنانة "صفاء الصغير" يتميز بتجريد مبهم يحاكي الحس الوجداني، حيث تعصف الألوان بالوجدان، لتترسم معالم المرأة في ذهن المتلقي. ففي هذه اللوحة، تلاعبت الفنانة صفاء بمزج الألوان لخلق معاني تهدف إلى تصوير المرأة ككائن فرح يضيء الحياة، كما أضاءت لوحتها بالألوان الربيعية.
إنها المرأة ذات الجمال التكويني المرتبط بالنسبة الذهبية للوجود، والتي باتت تتبوأ المراكز الحياتية. وما العنف الممارس ضدها إلا نزعة مرضية تحتاج لمجابهتها بكافة الطرق. فقد استطاعت ريشة الفنانات منح المتلقي تنوعات في الرؤية الفنية التي تعالج موضوع العنف ضد المرأة بفن تشكيلي، تزينه رؤى الفنانات وألوانهن المختلفة. كما في لوحة "ليلى قانصوه" التي استخدمت الأصفر والأسود والأبيض الضوئي في تجريد تعبيري، حيث لعبت الأيادي بالتفافات وانحناءات رمزية لعاطفة اندمجت بين غموض المرأة والرجل بأسلوب تخيلي لم يبتعد عن الواقع ولم يتآخى معه. فالتضاد اللوني الحار والبارد جذب بصرياً الحواس إلى العمق التشكيلي، حيث برزت معاني اللوحة مع الضوء والفراغات المرتسمة، والمتناغمة مع لوحة "ليندا أيوب" وجرأة المرأة المعاصرة التي تفرض تواجدها عبر غموض كينوني هو جزء من اختلاطات نفسية لريشة اعتمدت في أسلوبها على اللوحة المعاصرة، كما في لوحة "مايا فارس" أيضاً.
أما لألوان مايا، فقد تحدّت الرجل مبتعدة عن الزينة، وعن مفاهيم المرأة الخاصة بها، عبر خلفية باللون الأحمر الخصب المشتعل مع أساسيات الألوان الأخرى والأبيض الذي ينفي عن المرأة تقاليدها.
لجسد المرأة تطلعات داخلية تبوح بها ريشة الفنانة "منى عز الدين" بضوئية جمعت بين العتمة والظل، كأن المرأة في لوحاتها تختبئ من ذاتها وجمالياتها غير الظاهرة والمكبوتة مع الجرأة غير المعلنة، كما في لوحة الفنانة "مورين صليبا" التي تتناول العودة إلى المرأة اليونانية أو برمزية المرأة المنحوتة في الماضي، باعتبارها كائناً إنسانياً له خاصيته واحترامه.
أما الأصفر في لوحة الفنانة "فاطمة الحج"، فيعبّر عن حكاية الكون منذ آدم وحواء وأسطورة الخلق والصراع. فهل استطاع معرض جمعية تكوين أن يمنح المتلقي المفاهيم المختلة عن المرأة من خلال ريشات جمعت المعاني في تفاصيل لوحات عنوانها "المرأة"؟
معرض "Women by Women" في قصر الأونيسكو، الذي أقامته جمعية "تكوين" للفنون الجميلة بالتعاون مع لجنة حقوق المرأة اللبنانية وبرعاية وزارة الثقافة اللبنانية، تمثل في معرض تشكيلي بمناسبة "اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة"، بمشاركة الفنانات: ردينة اللقيس، مايا فارس، سيلفي علم، رنا بساط، منى عز الدين، صفاء الصغير، فاطمة عثمان، آية أبو هواش، سناء مكي، ليندا أيوب، فيروز أبو أنطون، مورين صليبا هارون، ماربين زينون، كلود عبسي صروف، غادة آغا حمود، حوراء زريق، دلال ترحيني، زينب المعاز، عفة مسيلب، نادين زهر الدين، إيمان عوالا، نعمى الأمين، أحلام عباس، ليلى قانصوه، باسمة عطوى، شانتال منعم، إخلاص عبدالرزاق، جنان بزي، زينب ضيا، منى العلي، رامونا منصور، فاديا الخطيب، رنا الهندي، والدكتورة فاطمة الحج.
تم نشره عام 2014
في جريدة اللواء