أين الدراما العربية من الوصول إلى المتلقي في هذه البلدان؟
حوار خاص لمجلة الهدى مع المخرج صلاح كرم
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل – بيروت – لبنان
يتنوع الفن الإخراجي بتنوع المعرفة، حيث يرتبط بالقدرة على الإمساك بأطراف التنوع الكامل لهذا الفن وتوجيهه نحو المراتب الإخراجية التي تجسد النص بمقدرة تحفظ قيمة الموضوع من خلال كل لقطة يستطيع المخرج حصرها بتوازن يجذب المشاهد، ويؤثر في منطق كل لقطة تتناسب فيها المفاهيم الإخراجية للعمل الفني. إن الفن الإخراجي في الوطن العربي يخاطب البيئة والنسيج الاجتماعي بكل تفاصيله ليؤثر في وجدان المشاهد، ويستطيع إيصال المفهوم من خلال عمل تلفزيوني أو سينمائي أو مسرحي. وفي هذا، نظرة ذات أبعاد تحتاج لديناميكية مرنة ولصرامة دقيقة في رؤية موازين الضوء والصوت والمؤثرات الأخرى، إلى جانب توجيه الفنان. وقد يحتاج هذا إلى إعادة اللقطة أكثر من مرة حتى تتناسب جودتها مع جودة الفن الإخراجي ومفاهيمه عند المخرج. وهذا ما شدد عليه المخرج "صلاح كرم" عند بدء الحوار معه، حيث تتميز أعماله الدرامية بتآلف عناصرها وبالانسجام الإخراجي الذي يميل إلى استخراج مكنون الممثل مع الوضوح في التعاطي مع الصوت والصورة والإخراج الملامس لروح المجتمع العربي بشكل عام.
- صلة وصل تجمع بين المؤلف الدرامي والمخرج وتؤثر سلبًا أو إيجابًا على جودة العمل الفني. ماذا تخبرنا عن ذلك؟ وكيف تتوصل إلى ربط هذه المسألة مع الممثلين أو طاقم العمل بكامله؟
صلة الوصل بين المؤلف الدرامي والمخرج تعتمد على الفهم واللغة المشتركة بين الاثنين. وأغلب الأحيان تؤثر مناقشة النص أثناء كتابته أو بعدها، حيث تساهم في تعزيز لغة الفهم المشترك. وبالنتيجة، تصبح الرؤية متفقًا عليها مسبقًا بين المؤلف والمخرج، مما يؤدي إلى خروج العمل بلغة مشتركة. وينعكس ذلك على رؤية المخرج وفهمه للنص مسبقًا، مما ينعكس إيجابيًا على الممثلين.
- نلاحظ تلفزيونيًا أن الدمج الدرامي بين البلدان بدأ مع المسلسلات المكسيكية المدبلجة، والآن مع التركية والهندية. ماذا تقول في هذا؟
الدمج الدرامي بعد الدبلجة قد يُنتج فرصة للمتلقي لفهم ثقافة الآخرين: المكسيك، الهند، تركيا، وسواهم. ولا سيما أن تلك الدراما متقنة بشكل جيد رغم أن بعضها ذو إيقاع طويل وممل. لكن السؤال هو: أين الدراما العربية من الوصول إلى المتلقي في هذه البلدان؟
- ألا تظن أن فن الإخراج يتشابه ويتقاطع مع فن الرواية والسيناريو، وهو يشكل النسبة الكبرى في نجاح العمل الفني أو فشله؟
نعم، مهما كان نص الرواية أو السيناريو محكمًا ورائعًا، فإن نجاحه يعتمد على قدرات المخرج ورؤيته لمضمونه، وإضافة لمساته الإخراجية في عمليات التعبير وتوصيل الحدث دراميًا، إضافة إلى احترافه للعمليات التقنية التي تُستخدم في فن التصوير والإضافة واختيار المواقع وسواها.
- المخرج صلاح كرم: كيف يخاطب الناس إخراجيًا؟
المخرج صلاح كرم يخاطب الناس إخراجيًا بلغة الواقع وما يستجد عندهم من مشاغل وهموم وطموحات وتمنيات ومعاناة.
- كيف كانت رؤيتك للفن بشكل عام منذ البداية؟ وما هو المسلسل الذي أخرجته ولا تنساه؟
رؤيتي للفن هي رسائل أقدمها لمن يشاهدها. تحكي كل رسالة رواية من هذا الزمان أو ذاك لأساهم في تجسيد القيم والأحداث برؤية تحاكي الإنسان بما يليق بإنسانيته ويعزز من مواقفه ومبادراته. وهناك أكثر من مسلسل أخرجته ولم أنسه، مثل "الهاجس" للكاتب صباح عطوان، و"نادية" للمرحوم الكاتب معاذ يوسف، و"سارة خاتون" للكاتب حامد المالكي، وغيرها.
- "أحلام اليقظة" وأحداث عام 2006: هل رضيت عن هذا الفيلم وما هي المشكلات التي واجهتها أثناء تصويره؟
الأحداث في عام 2006 كانت أكبر مما تعرضنا له في فيلم "أحلام اليقظة"، وكان هدفنا لم شمل أهلنا في العراق ونبذ الطائفية والكراهية والتفرقة. لم نواجه مشكلات أثناء التصوير لأن جهة الإنتاج وفرت لنا مقومات إنتاجية جيدة.
- يشهد النقاد على جودة الأفلام الإيرانية مضمونًا وتمثيلًا وإخراجًا. ما رأيك في هذا الكلام؟
نعم، هناك أفلام إيرانية جادة وجميلة وقد حصدت جوائز في المهرجانات. نعزي السبب إلى أن السينما الإيرانية ليست وليدة الحاضر، بل جاء حضورها منذ زمن طويل، لذلك فإن كوادر الإخراج والإنتاج لديهم خبرة طويلة في حرفية الإنتاج السينمائي، واستفاد منها الجيل الجديد. وأود الإشارة إلى أن معظم الأفلام التي حازت على جوائز عالمية كان مخرجوها إيرانيين مغتربين. وهذا لا يعني أنه لا يوجد مبدعون داخل إيران.
- ألا تظن أننا في الوطن العربي بشكل عام نتراجع سينمائيًا، وباتت الهوة واسعة بيننا وبين الغرب سينمائيًا؟
تراجع السينما العربية سببه غزو الأفلام الأمريكية والأوروبية والهندية ونفاذها عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب وغوغل وسواها، مما يسهل على المتلقي متابعتها وعدم ارتياد دور العرض السينمائي. إضافة إلى ذلك، فإن المواضيع التي تطرحها السينما العربية، وخاصة المصرية، أصبحت مواضيع "شباك"، ولا علاقة لها بثقافة السينما.
- روائي العراق يحتاجون إلى نهضة سينمائية تجعل من رواياتهم أفلامًا ومسلسلات. هل من معالجة درامية قادرة على فعل هذا عراقيًا؟ ومن هو المنتج العراقي حاليًا؟
نعم، هناك بالفعل حاجة لنهضة سينمائية ودراما تلفزيونية تتعرض للكم الكبير المتراكم من القصص الواقعية وتحويلها إلى دراما سينمائية وتلفزيونية عراقية. هناك فيلم روائي كبير للكاتب صباح عطوان بعنوان "خريف الغربة"، ومسلسل ملحمي كبير بعنوان "الحب والأسوار" تأليف عبد الإله حسن تم إجازتهما، وسوف تقوم وزارة الثقافة العراقية بعملية إنتاجهما. وسوف يكون لهذين المشروعين حضور متميز في وسائل العرض العراقية والعربية لما يحملان من إرث عراقي كبير وعريق.
- غفا الإبداع اللبناني دراميًا وها هو يعود للنهوض من جديد. هل من تعاون بينك وبين مخرجين لبنانيين لعمل يجمع بين البلدين؟
بينما وبين الفنانين اللبنانيين صداقة ومحبة وروابط، ومنذ كنا صغارًا نتابع الإبداع اللبناني. وفي فيلم "خريف الغربة"، ستكون هناك شخصيات عربية، وسأشارك فيه فنانون لبنانيون بإذن الله.
- ماذا يخبرنا المخرج صلاح كرم عن فن الإخراج وأهم الأساسيات فيه بالنسبة له؟
فن الإخراج مدرسة لا نهاية لها، ورغم مرور سنين طويلة على عملي بهذا الفن، فأنا سأبقى تلميذًا في هذه المدرسة. من أهم الأساسيات في الإخراج هو التواصل مع مستجدات الحياة واختيار المواضيع التي تلامس وجدان المتلقي. وهذه السمة هي من أهم الأساسيات.
- كيف تختار الموسيقى التصويرية: تبعًا للنص أم تبعًا لجودة الموسيقي فقط؟
الموسيقى اختيار الملحن المتخصص في موسيقى الدراما أولًا، ويتم وضعها بناءً على رؤية مشتركة لمضمون النص بين المخرج والملحن.
- للمخرج قلم الكاتب، وعين المصور، وأذن الموسيقي، وماذا بعد؟
مضاف إلى ذلك انتمائه إلى مضمون النص ووضع الرؤية الإخراجية له.
- لو عاد بك الزمن إلى الوراء وطلبت منك إلغاء بعض الأعمال التي قمت بإخراجها، هل توافق؟
جميع أعمالي أعتز بها، لكني قد أتحفظ عن أحد الأعمال بين الكم الكبير الذي قمت بإخراجه وإنتاجه.
- أين الدراما العراقية والمسرح العراقي تحديدًا في ظل هذه الأوضاع التي يمر بها العراق والمنطقة؟
للدراما العراقية والمسرح العراقي تاريخ وحضور متميز. ورغم الظروف الصعبة التي مر بها بلدي، فإن إنتاج الدراما سينمائيًا وتلفزيونيًا قائم. فقد أنتجت وزارة الثقافة ودائرة السينما والمسرح عدة أفلام روائية ووثائقية، وكذلك مسرحيات ودراما تلفزيونية. الإنتاج متواصل، وسينهض بمواضيع جديدة ستجد طريقها للشاشات العربية.
تم نشره عام 2014 في جريدة الهدى
في تحليل للحوار معه
الحوار مع المخرج صلاح كرم يحمل طابعًا غنيًا بالأفكار والمفاهيم حول فن الإخراج، ويتطرق إلى جوانب عدة تهم السينما والدراما في العالم العربي، مما يعكس رؤية شاملة وحالة من التأمل العميق في صناعة الفن السابع في المنطقة. لكن، كما هو الحال مع أي حوار طويل، يمكن أن يكون هناك مجال لتحليل بعض النقاط بشكل نقدي.
الحوار يتمحور حول عدة محاور أساسية، أبرزها علاقة المخرج بالمؤلف والممثلين، أثر فن الإخراج على النص، وتطور الدراما العربية مقارنة بالعالم الغربي. المخرج صلاح كرم يتطرق إلى أهمية "الفهم المشترك" بين المؤلف والمخرج، وهو مفهوم أساسي في صناعة العمل الدرامي، إذ أن الانسجام بين جميع الأطراف (المؤلف، المخرج، الممثل) يضمن بناء عمل متكامل.
لكن في بعض المواضع، تظل الإجابات شديدة التعميم، وهو ما قد يجعل القارئ يتساءل عن تفاصيل أكثر تحديدًا. على سبيل المثال، عندما يُسأل عن كيفية توجيه المخرج للطاقم والعمل مع الممثلين، يكتفي كرم بالإشارة إلى ضرورة "الفهم المشترك" و"الرؤية المتفق عليها مسبقًا"، دون الخوض في طرق ملموسة أو تحديات تواجه المخرج عند توجيه الممثلين. كانت هناك فرصة لتعميق النقاش في كيفية تحقيق هذا الانسجام على أرض الواقع وكيف يختلف ذلك بين أنواع الدراما المختلفة (تلفزيوني، سينمائي، مسرحي).
أحد الأسئلة التي أثارت اهتمامي هو السؤال المتعلق بموقع الدراما العربية مقارنةً بالدراما المكسيكية، الهندية، والتركية. يرى كرم أن الدراما العربية لم تصل بعد إلى المستوى الذي تتيح للمشاهدين في بلدان أخرى استقبالها بنفس الشكل الذي يستقبلون به الدراما التركية أو الهندية. من المهم أن يُلاحظ هنا أن هذا الطرح يعكس حالة من الحنين للماضي وإحساس بعدم المواكبة العالمية. لكنه لا يتعمق في الأسباب الجوهرية لهذا التراجع، مثل نقص التمويل، غياب التنوع في الإنتاجات، أو حتى الانغلاق الثقافي الذي قد يعيق وصول الدراما العربية إلى الجمهور العالمي.
النقد هنا، إن كان سيكون بناءً، هو أن صناعة الدراما في العالم العربي قد تكون أكثر ارتباطًا بالقضايا المحلية، في حين أن الإنتاجات العالمية تركز على القيم الإنسانية العالمية التي تسهل من عملية التواصل بين الثقافات. كان من المفيد أن يتوسع الحوار في هذه النقطة وتُطرح حلول عملية للتطور، مثل تقديم رؤى أوسع حول كيفية تحسين المحتوى العربي لجذب جمهور أوسع على المستوى الدولي.
إجابة كرم عن السينما الإيرانية تستحق الوقوف عندها. يقول كرم إن السينما الإيرانية "ليست وليدة الحاضر"، وهي عبارة تحمل في طياتها الكثير من المعاني. السينما الإيرانية حقًا تتمتع بتاريخ طويل من الإبداع والتمرد على الأنماط التجارية السائدة، ولكن الإشارة إلى أن "معظم الأفلام التي حازت جوائز عالمية كان مخرجوها إيرانيين مغتربين" يبدو أنها تهمل قيمة أعمال المخرجين الإيرانيين في الداخل. وهو أمر قد يثير التساؤلات حول مستوى تطور الإنتاج السينمائي الإيراني داخل إيران مقارنة بالخارج.
الحديث عن "نهضة سينمائية" في العراق كان مثيرًا للاهتمام. كرم يشير إلى أن هناك مشاريع كبيرة على الأفق مثل فيلم "خريف الغربة" ومسلسل "الحب والأسوار"، لكن من المهم أن يكون هنالك مزيد من التعمق حول كيفية مواجهة التحديات الخاصة بالعراق، بما في ذلك الأزمات السياسية والاجتماعية، وأثرها على الصناعة السينمائية. هل هناك تجارب سابقة نجحت في تحويل هذه التحديات إلى فرص؟ أم أن الصناعة السينمائية العراقية تواجه صعوبات أكبر من مجرد التمويل والإنتاج؟ كانت هذه الأسئلة تحتاج إلى مزيد من الاستكشاف.
أخيرًا، عندما يتطرق كرم إلى الإبداع اللبناني وعودته للنهوض، نجد أن هناك إشارات إلى التعاون بين المخرجين اللبنانيين والعراقيين. هذا الموضوع يحتاج إلى مزيد من التفصيل. هل حقًا هناك رغبة حقيقية في التعاون بين البلدين في إنتاج أعمال درامية مشتركة؟ ما هي التحديات السياسية والاجتماعية التي قد تواجه هذا التعاون؟ كيف يمكن أن تكون الإنتاجات اللبنانية والعراقية تكاملية؟
بشكل عام، الحوار يقدم نظرة شاملة على العديد من القضايا التي تواجه صناعة الدراما في العالم العربي، ولكنه يفتقر إلى بعض التفصيلات والأمثلة الواقعية التي يمكن أن تُعزز المصداقية وتُعمق الفهم. يعتبر هذا الحوار مادة قيمة للمشاهد والمهتمين بصناعة الفن السابع في الوطن العربي، ولكنه كان يمكن أن يكون أكثر دقةً في طرح النقاط المثيرة للجدل.