ريشة حاذقة في تخيلاتها وحركتها الخاضعة لفيزياء الضوء

ضحى عبد الرؤوف المل

تتجلى الإيحاءات التجريدية في لوحات الفنانة "سلمى معصراني الأيوبي" كموسيقى لونية إيقاعية، وحركة نصف دائرية تعصف بالمعنى التجريدي الذي تقدمه بأبهى أشكاله الجمالية، المحاكية للكينونة وللذات، وبموضوعية ريشة حاذقة في تخيلاتها وحركتها الخاضعة لفيزياء الضوء، تمتزج بين الألوان التعبيرية، وتمنح الرؤية أنصاف دوائر وهمية تجمعها مع خطوط وضوء، تاركة لتفاعلات ألوانها الحرية في تجسيد إيقاعي سينوغرافي تستوعب من خلاله المساحات المدروسة في اللوحة، المختزنة أفكارها الفنية، وتقنيتها الهادفة إلى خلق روحانية أنثوية ذات عوالم مدروسة بصريًا، وبنزعة معاصرة تجمع بين أساليب مختلفة في تقنية اللون وإيحاءاته، وتشابك الخطوط وبتجريد يتضمن قضايا إيحائية تثيرها بهدوء عاصف في فضاءات اللوحة، وبطواف صوفي يستعصي على موسيقى اللون واتجاهاته. بل! وبتمرده على الوجود ووحدة الموضوع التشكيلي والفصول التي تجمعها في معرضها ذي الطابع المتصل بحركة الكون والنفس والأشياء من حولنا.

نضج تشكيلي يتصف بمعنى يرتبط بالصلات الكينونية ذات النزعة التجريدية المرتبطة بالإنسان عامة، وبالمرأة خاصة. إذ تتزاوج المعاني الحركية ما بين الساكن والمتحرك، وما بين الاستقرار والالتفاف المثير للنفس جماليًا، وبتفاوت سلبي وإيجابي تعبيرًا عن الحياة، وبشاعرية رومانسية ذات نظرة حركية لجوانب مضمونية جوهرية تنفتح نحو الضوء، بمعناه الجمالي ولواقعية المعنى بتجريد تغوص من خلاله بموسيقية يتألق بها اللون، بتدرجاته التي تميل نحو الفواتح وضمن الفواصل الديناميكية الحساسة تشكيليًا، وضمن انحناءات الخطوط وميلان المستطيلات الناتج عن توتر الحركة واستقرارها، وهذا يوحي بالتمسك بالجمال رغم الهواجس التي تنتاب ريشة الفنانة "سلمى معصراني الأيوبي" في لوحاتها ذات الاتجاهات التحليلية المختلفة. إن من حيث اللون أو الحركة أو الخط أو حتى الطبيعة التجريدية التي تمنحها تيارات فنية مختلفة، والتي تنبع من صميم الشكل والحجم والانعكاسات اللونية المتوائمة مع المشاعر، ومع حرارة كل لون وبرودته وتحاوره أو تجاوره.

لا ترتبط الفنانة "سلمى معصراني الأيوبي" بأطرف الخط ارتباطًا يمنع ريشتها من الاستدارة أو الطواف. إذ تحقق بترابط الأشكال وتمازجها هارمونية تنسجم مع الأضداد اللونية والمفردات الفنية، والأنماط الكلاسيكية في مفهوم التجريد، إن ضمن ميزة معاصرة تتجدد بصريًا أو ضمن أفكار حسية تمنحها للمتلقي إنسانيًا وجماليًا دون أن تنفصل عن الزمان والمكان الكوني، المبتعد في رؤياه عن خاصية فنية، والملامس لأجزاء النفس الباحثة عن قضايا الإنسان والجمال، والمضامين التخيلية المنفتحة على الواقع بالمضمون والأسلوب، وبالأطر الشاعرية المتميزة في أبعادها الجمالية.

تفاعل بصري جذاب يشعر به المتأمل لوحاتها. إن من حيث الأبعاد والمنظور، وإن من حيث التقنية التي تعتمد على الحركة والإيقاع، والتشابه والتماثل، والسيمترية، وحتى بامتداد اللون واستطالة الشكل أو مفاهيمه الرياضية المبطنة باللون الغني حسيًا بالضوء أو الفرح، والنشوة الكونية ذات الفعل الحركي المتخيل وجوديًا، بضربات متناغمة تحمل نوعًا من ذاتية تنمو بتوازٍ مع المعنى الحسي والتجريدي، المتضمن في منحاه الجمالي نبرة أنثوية شاعرية تعيدنا إلى جوهر المرأة في بعض منها، وإلى الإنسان وصفاته بشكل عام.

تعاطف وترابط بين الخطوط تجمع من خلاله الفنانة "سلمى معصراني الأيوبي" بين الماضي والحاضر، وبين الرؤية التجريدية الهاربة نحو إيقاعية الحركة الغامضة في كينونتها بصرف النظر عن المستوى الشاعري، التعبيري في اللون. إذ تتخذ من الطاقة الروحية لمفهوم الحركة والطواف بعدًا تشكيليًا، وأبعادًا فكرية تتصف بتأثيرات إيحائية وبصرية تزيد من المعنى، وتضفي بعض الإيضاحات الفنية على الأسلوب القائم على التقريب بين المسافات، والتمازج الحر المبني على تجريد ذي تصورات لونية منسوجة ضمن إيقاعات منفصلة ومتصلة في آن. ولكن من خلال الاستلهام المعاصر، والروحانية الإنسانية الغارقة بالمعاني المتناقضة، والأضداد الحركية والتناغم وما إلى ذلك.

تحاول الفنانة "سلمى معصراني الأيوبي" خلق توازنات بصرية صوفية تميل إلى الاختلاف والائتلاف، والتمسك بحقيقة وجودية ذات معالجات تشكيلية، تقدمها بأفكارها التجريدية. محاورة بذلك ذاتها أولًا، ومن ثم اللوحة والمتلقي، لتفصل بين الأنا والآخرين، وتجمع المعاني في أضداد أخرى تتمرد من خلالها على القوالب التشكيلية، وتتمسك بأسسها حسيًا، وبالبعد الزمني والمكاني المحفوف بالتكرار الإيقاعي الذي تشدّ من خلاله على معنى الحركة وجمالياتها، الكامنة في صميم كل لوحة تؤكد من خلالها على الطاقة الإنسانية في إبراز الجمال.

لوحات فنية مشحونة بالدلالات الحياتية، وبإيقاعات استعراضية تتغنى بكينونة الحياة أو بالذات والطبيعة، وبمحاور أخرى، بالفكر الحركي للكون ومتغيراته ومؤثراته البصرية، وبعمق الوحدات الفنية الفاصلة بين الأشكال والأحجام، والفواصل، والفراغات التي تنطوي على قيم تخيلية، ومعنوية تربط بين الرؤية والأسلوب، والطابع المخفف من حدة الخط أو رتابة الإيقاع أو تقيد اللون بتقنيات تفرض نفسها على اللوحة. إذ تبدو الفنانة "سلمى معصراني الأيوبي" تحاول رمي الأوزان الأكاديمية في نظرتها الكلاسيكية المعروفة، كمقاييس ومعايير وما إلى ذلك، لتتجه نحو التحرر الواعي مع قوافي لون تدخلها في منحى فني شاعري، يرتقي بالجوهر الحركي نحو الاندماج الكلي بالكون وديمومة الحياة.

يقول الأستاذ "عبد الناصر ياسين" مدير بيت الفن عن معرضها: "ها نحن اليوم نفتتح معرض الفنانة "سلمى معصراني الأيوبي" التي أغنت بلوحاتها جدران هذا المكان الذي أراده دولة الرئيس "نجيب ميقاتي" مركزًا للفنون والفنانين، لتفعيل الحراك الثقافي، ففي معرضها اليوم نرى تأملاتها النابعة من قوة العطاء وشلالات من الألوان المتدفقة، والأشكال المعبرة، ونحن في مدينة طرابلس التي اشتهرت بيئتها الحاضنة للإبداع والفن والأصالة، ويظهر هذا جليًا عندما أنجبت الفنانين العشرة الذين بدورهم أسسوا في كلية الفنون لتظاهرة من المبدعين في عالم التشكيل."

تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء