في حضرة العشق الطاهر
قراءة شاعرية نقدية في قصيدة أساور الخريف
ضحى عبدالرؤوف المل
في قصيدة "أساور الخريف للشاعر "محمود عثمان " نحن إزاء عملٍ شعري متخم بالوجد، مكتنز بالعاطفة، ينتمي إلى مدرسة الحنين العميق والافتتان الميتافيزيقي بالمحبوبة. هذه القصيدة، على قِصرها، تشي بعالم كامل من الجمال والتطهّر، حيث يلتقي العاشق بنسخته الأكثر نقاءً، لا من خلال ذاته، بل من خلال مرآة الحبيبة، تلك التي تتوشّح أساور الخريف في يديها — رمز الزوال الساحر، والحنين الذي لا يموت. فمنذ السطر الأول، يدهشنا الشاعر بمجاز غريب ومؤثر:
"أساورُ الخريفِ في يديكِ يا حبيبتي / لا تشبه الأساورا"
الخريف، الذي طالما اقترن بالذبول والانتهاء، يتحوّل هنا إلى زينة تتجلى في يدي الحبيبة. لكنه لا يشبه "الأساور" المعتادة، لأن الجمال الذي في يديها ليس جمالًا ملموسًا أو مرئيًا، بل حالة من التجلّي، من التأمل الوجداني، من البوح الخافت. نحن أمام مفارقة شعرية: كيف لرمز الانتهاء (الخريف) أن يكون زينة؟ وكيف لتلك الزينة ألا تشبه الزينة؟ هذا التوتر بين الرمز والمعنى هو ما يمنح القصيدة أبعادها التأويلية الواسعة.
تجعَّدَ الحنانُ في الجبينِ / كيف تندى غيمةٌ / وتنشرُ الغدائرا
هنا، ينتقل الشاعر من المظهر الخارجي للحبيبة إلى شيء أكثر عمقًا: تعبير الوجه. الجبين المتجعد لا يعني التقدّم في العمر، بل هو تراكم الحنان، كتجاعيدٍ من لطفٍ عاشه القلب وترك أثره في الوجه. ثم يأتي السؤال الشعري: "كيف تندى غيمة؟" — غيمة، بطبيعتها مائية، لكن أن "تندى" يعني أنها تغدو أكثر حنانًا، أكثر اقترابًا من روح الآخر. ثم "تنشر الغدائر"، وكأن الغيمة — التي هي الحبيبة — تمطر شعرها على الأرض، على العاشق، فتغمره. فهل تتصاعد القصيدة نحو الروحانية حين يقول الشاعر:
"لو كنتُ يا أميرتي الصباحَ حين ينحني / أمام بابكِ الصغيرِ أو يقبِّلُ الستائرا"؟
فهو يضع الحبيبة في موضع القداسة، هي الباب، هي الصباح، هي الطلوع، وهي "البيت الصغير" الذي يُراد الوصول إليه لا للسكنى، بل للسجود عند عتبته. الصورة هنا تختلط فيها الدلالات الدنيوية بالحالات الصوفية، حيث تتحوّل الستائر إلى أستار حجاب بين العاشق وتجلي محبوبته.ويزيد في الصورة حين يتمنى لو كان "ذاك الواديَ المسحورَ" أو "العابثَ النسيمَ جاء زائرا"، لأن كلّ ما يمكنه أن يقترب من الحبيبة ويخالطها — حتى لو كان نسيمًا عابرًا — هو في عُرفه نعمة، وغاية. فماذا عن اللعب مع الموت والحياة؟
في مقطع بالغ الجمال، يقول:
"لَمتُّ ألف مرةٍ / وعشتُ ألف مرةٍ / مُسَبِّحًا وشاكرا"
هنا، نلمس احتضانًا للشعور المتناقض: الموت حياة، والحياة موت، في حضرة المحبوبة. التكرار يُحدث تأثيرًا موسيقيًا وصوفيًا، يذكّرنا بأحوال العاشقين في التصوف، حيث الفناء في المحبوب هو عين البقاء. فهل كل هذه الطهارة والتقديس تجعل العاشق يصل إلى أقصى درجات الخضوع ؟
"أستغفرُ الترابَ تحت نعلكِ الطهورِ / كي أعودَ طاهرًا"
فهو لا يستغفر الله فحسب، بل يستغفر التراب الذي داسته قدماها. هذا التقديس للمحبوبة، ليس شهوانيًا، بل طُهراني، هو يريد التطهّر من دنياه، من دنيويته، في أرضها، ليعود إلى ذاته أنقى، أنبل، أكثر قدرة على الحب. فهل نهاية القصيدة، هو بداية القصيدة
أما البيت الأخير يحمل انقلابًا فلسفيًا:
"لولاكِ / لولا الحزنُ في عينيْكِ لم أكُن / على الزمانِ شاعرًا"
هنا، نكتشف أن الحب ليس في الفرح، بل في الحزن الكامن في عينيها. هذا الحزن هو ملهم القصيدة، وربما القصائد كلها. ومن دون هذا الألم الصامت، لم يكن الشاعر ليكتب، ليبدع، ليكون شاعرًا أصلاً. كأن الحبيبة، بحزنها لا بجمالها، هي الخلق الأول والمعنى الأخير. فماذا عن اللغة والانزياح؟
القصيدة تتسم بلغة رقيقة، غير مباشرة، وتبتعد عن التقرير المباشر، بل تستنطق الصور والرموز، وتقوم على الانزياح في الدلالة. كل استعارة تفتح بابًا على تأويل، وكل تشبيه يأخذ القارئ إلى عوالم من التفاعل بين الحسي والمجرد، بين الواقع والحلم.
إن قصيدة أساور الخريف للشاعر محمود عثمان ليست مجرد بوح حب، بل هي صلاة شعرية. فيها يتجلّى الحبيب باعتباره معبرًا إلى المطلق، إلى الذات المتطهّرة. تتعدد فيها طبقات المعنى، وتتماهى الصور مع الأحاسيس، ويتحوّل النص من قصيدة غزلية إلى طقس روحاني، فيه العاشق مصلٍ، والمحبوبة محراب. فدائما هي الأم عند شاعرنا رمز الطهارة والقداسة والحبيبة الأولى في النفس التي تتوق الى الجمال والحب في حضن الأم في كل شىء من الطبيعة إلى الإنسان. فالقصيدة مثال على تزاوج ناجح بين الشكل والمضمون أيضا . فمن حيث الوزن ، حافظت على موسيقى كاملة تتناسب مع انسياب العاطفة، ومن حيث البلاغة، نسجت صورًا مدهشة ترفع الإحساس من مجرد غزل إلى طقس روحي . ( ربما الحبيبة هنا هي الأم في خريف عمرها )
قصيدة كهذه لا تُقرأ، بل تُتذوّق، كعطرٍ قديمٍ على منديل أميرة. إليكم القصيدة
أساورُ الخريفِ في يديكِ يا حبيبتي
لا تشبه الأساورا
تجعَّدَ الحنانُ في الجبينِ
كيف تندى غيمةٌ
وتنشرُ الغدائرا
لو كنتُ يا أميرتي الصباحَ حين ينحني
أمام بابكِ الصغيرِ أو يقبِّلُ الستائرا
لو كنتُ ذاك الواديَ المسحورَ
حين يحملُ المباخرا
أو كنتُ ذاك العابثَ النسيمَ جاء زائرا
لَمتُّ ألف مرةٍ
وعشتُ ألف مرةٍ
مُسَبِّحًا وشاكرا
أستغفرُ الترابَ تحت نعلكِ الطهورِ
كي أعودَ طاهرًا
ألملمُ الدموعَ والأزاهرا
لولاكِ
لولا الحزنُ في عينيْكِ لم أكُن
على الزمانِ شاعرًا
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=866542
تم نشره يوم الأحد 27 نيسان 2025