التعبير الإيقاعي للطبيعة اللونية التي تتراشق فيها الفراغات
ضحى عبدالرؤوف المل
يتجاوز الفنان التشكيلي "نديم أحمد فتفت" حدود بدايات ونهايات الألوان التي يتركها في المساحات الواقعة بين التفاصيل التجريدية، حيث يمزجها بتصويرات حالمة يخلطها، بشكل نسبي، برقة سريالية تخترق لوحاته. يترك دهشته في حياة يرسمها بمشاعره، مملوءةً عبر فضاءات لونية يمزجها بلطف أحيانًا، وبقساوة قد يخاف منها على لوحات تصوفية تتأرجح بين الذاتية والموضوعية. ففي تمازجٍ بين التجريد والإيماء، وبين التعبير الإيقاعي للطبيعة اللونية التي تتراشق فيها الفراغات، يخلق فسحة أمل يراها من خلال ريشته الخاصة بين فترة وأخرى. هذا يتعارض مع اللون الواحد أو المدرسة الملتزمة في التشكيل، ليواكب الحداثة وفق أبعاد المفاهيم الكلاسيكية المتعارف عليها أكاديميًا، ولكن بتمرد جمالي يوازن مع أفكاره النابضة بالحياة. يترك للرؤية خاصية ما ورائية لا متناهية تتجاوز قماش اللوحة، مع عمق نوتات الألوان ومعانيها الموسيقية، مترجمًا هذا العمق من خلال الشكل والمضمون، والانصهار الضوئي بين قماش اللوحة الأبيض، وخلفية المعنى الغامض في لوحاته التي يتركها لذاته كعنوان فني يحتفظ به عبر الضوء والتلاشي واللانهاية.
تجمع لوحاته بين البساطة والتعقيد، العفوية والعشوائية، مع توازن وجمالية تبدو للوهلة الأولى كريشة راقصة على أنغام الطبيعة. إلا أن هذه الريشة تتقن فهم الحركة واتجاهاتها، وقدرتها على تشكيل بطء وسرعة، لضربات لون ضيقة تتسع في بعضها، فتشكل إيحاءات تصل إلى بلاغة الأبيض، وفسحاته المفتوحة على فضاءات متعددة في معانيها الجمالية. إلا أنه يترك بعض التفاصيل التجريدية غير مشبعة باللون، مما يمنحها شفافية ظامئة بصريًا، فتتنقل الحواس بين الفواتح والغوامق، وبين اللون الأبيض والألوان الأخرى، مع السطوع المكثف على سطوح تتقاطع فيها الانعكاسات البصرية، وتنفلت الأطراف التقليدية، ليبحر خيال المتلقي في الأبعاد والرؤى الجمالية المبنية على لطخات تجريدية ينسجها "نديم أحمد فتفت" بريشة فنية ذات تقنية تكوينية. فهو يمارس قوة الحياة في رسومات على خامة بيضاء ليعيد تصحيح الأخطاء والشوائب المتناقضة جماليًا مع مفهوم الجمال، وكأنه يعيد تكوين ذاته في عمق رسوماته، مكونًا إياها كما يتمنى بالضوء واللون والحس والملامسة والمناجاة والحوار.
يحافظ الفنان "نديم أحمد فتفت" على الأشكال الأساسية فنيًا، ضمن تجريد يتخذ من النظم اللونية موسيقاه البصرية، والذوبان مع المضمون حتى تتضح المعاني والأبعاد بطابعها الذاتي المفعم بالإحساس باللون ومنبهاته الضوئية ذات التدرجات الحساسة، المتناسبة مع الخلفية ولونها الأبيض في لوحاته المتحررة من الأطر وحتمية الشكل. يخلق بذلك دهشة عند المتلقي تجعله يتعمق أكثر في الشكل واللون والإيحاءات المفتوحة تجريدًا، والمغلقة أحيانًا على تصويرات من الطبيعة أو سريالية غامضة في قسم منها، أو حتى التصوير بأبعاده اللونية الجامعة، مثل صورة المرأة وملامحها الجريئة في العيون، والفوارق البديهية في معرضه الذي يتسم بالرسم المتصف بالاسهاب والإيجاز، وبالخصائص الفنية المعاصرة ذات الصياغات المحاكاة تعبيريًا للذهن. فهو تجريدي بشاعرية ناتجة عن تآلف فلسفي في فوضاه وأبعاده، مركّزًا على خلق المزيد من الإيحاءات لتتفاعل الحواس مع الألوان والأشكال والضوء، وفي عمق اللوحة بشكل خاص.
تقنية فنية ذات خصوصية تنخفض وتعلو في القيم المتقاربة؛ أي ما بين اللون واللون، وما بين الشكل والشكل، وحتى ما بين الطبيعة التجريدية في تماثلها وتناظرها، وحتى الحركية المتجهة نحو العلو، والتي تتكون وفق جزئيات دقيقة يتركها باللون الأسود، لزيادة قيمة الضوء الواعي في لوحاته، ولإظهار الأضداد في تناغمها وتنافرها، وفي الزخم الانفعالي للنفس. يعتمد على الأنماط الشكلية الإيحائية ودلالاتها التكوينية المتعلقة بمفهوم التآلف البصري التي تتميز بها لوحات "نديم أحمد فتفت" وطبيعتها الفنية، الرقيقة والدقيقة في تخيلاتها الذهنية المرتبطة بالوجود والحياة والحقيقة الماورائية البارزة بقوة الضوء وجوهر الألوان.
يدرك الفنان "نديم أحمد فتفت" كيفية إظهار الواقع الخارجي للتجريد من الألوان المزدهرة بضربات تناغمية دقيقة في مساراتها الانعكاسية للواقع، وصولًا إلى خلق حدس تصويري إيمائي فلسفي متعلق بالشكل والمضمون، والاختلاجات النفسية المدركة للأشياء من حوله، والمسافة الفاصلة بينه وبين الحلم والحقيقة والحياة، مع الاحتفاظ بكينونة الفكرة، والقوة المتخيلة لها. تظهر الجزئيات اللونية أقوى في منظورها المحسوس، المؤلف من إحساسات مرتبطة بالحياة والجمال، لأن الحيوية الطافحة بالتعابير تشير إلى تلك الصفحة البيضاء التي يولد عليها الطفل، وترسم عليها الحياة ما يؤثر عليه وما يتأثر بها فيما بعد.
تتسم لوحات الفنان "نديم أحمد فتفت" بالانفتاح والاتساع المتضاد مع الأشكال الضيقة وتكرارها الجمالي، والعمق الفكري الملموس في الحركة، وترجمة الأشكال موسيقيًا، بالضوء وشدته وخفوته، وإيقاع المعاني الذهنية، مع الحفاظ على توازن الحركة والحوارات الداخلية بين الألوان المتحاورة والمتجاورة بحسن جمالي مسبوك فراغيًا ومحبب بصريًا. يحافظ على قيمة التوازن بين الأشياء، وبطلاوة مقاييس تبدو عشوائية في حركتها، ومنطقية في أسسها الفنية المرتبطة بالحس والمنطق، والرؤية المتشابكة المفاهيم والمتعددة الأبعاد، رغم تنوعه في المفاهيم المتمازجة بمقاييسها ذات الصفات المختلفة في كينونتها اللونية والتشكيلية، بعيدًا عن المنظور الواقعي في حيثياته المكتملة المتضامنة مع اللوحة والمساحات الفاصلة بين الأشياء.
معرض الفنان التشكيلي "نديم أحمد فتفت" في الرابطة الثقافية - طرابلس
تم نشره في جريدة اللواء عام 2014