معرض الفنان جيرارد أفيديسيان

\

تراث شعبي بحس عربي

الثلاثاء، 16 أيلول 2014، الموافق 21 ذو القعدة 1435هـ

من المعرض

ترتسم خيالات الشرق وجمالياته في لوحات الفنان «جيرارد أفيديسيان» (Gérard Avédissian) بزركشة فنية تراثية ذات نكهة عربية استشراقية بمختلف ألوانها القديمة، الملموسة ضمن تراثيات رسمها وفق تقاليد تعيد الذاكرة، لتصويرات غنية بالألوان العربية القوية، كالثياب الفلكلورية والإكسسوارات، والسجاجيد وفق خطوط ذات خصوصية شرقية، وتاريخ حضاري لفن استشراقي يرى الشرق يزدان بالألوان الحارة وسمات جمالية ذات تراث شعبي لمسه الفنان «جيرارد أفيديسيان» بحس عربي وريشة استشراقية التقطت التقاليد والمناسبات، واستطاعت تصويرها ضمن مضامين ومفردات فنية تميزت بالبساطة، وبتوزيع يعج بالحركة اللونية الحارة والباردة. ليروي المشاهد بحركة تشكيلية تؤرخ لحضارة تبهر بألوانها البصر والحس الجمالي.

فنتازيا غنية بحيوية الخطوط والألوان مصحوبة بالمرأة وصلة الماضي النابعة من رؤية الفن الاستشراقي لها، فاللوحة هي أداة تخاطب بصري تحتضن بسينوغرافيتها شتى الخصوصيات الشعبية، وبصدق نستقرئ من خلاله التاريخ العربي الغني بالجمال البصري الثري بالألوان التي ترتكز على التراث الخاص لبعض المدن في المغرب العربي وأرمينيا ورمزية الجدات ذات الصلابة الفكرية المتجلية بمتانة ألوان لباسهن، وبتراكيب المشهد الفني وأبعاده وترابطه المتأثر بالموروثات التقليدية من غزل الأصواف، والجلسات الخاصة بالنساء، والحجاب، والعبايات المزركشة وحميمية المجتمعات التي يصورها، وفق مفهوم استشراقي متزن برصد الجمال العربي ومعالمه الحضارية القديمة التي تشكل اتجاهات استشراقية تجسد الفلكلوريات المتوارثة، كطرائق تعبيرات اجتماعية هي بمثابة لغة فنية ومنجزات يدوية تتصف بالجمال العربي، وبتقنية جمالية ذات نظم تتأثر بالتقاليد والبنية الاجتماعية.

تأثر الفنان «جيرارد أفيديسيان» بمعايير العادات والتقاليد من جلسات نسوة أو مشايخ قراء أو بالمخزون الفني، ودلالاته الذاتية القوية الملامح في لوحات أضفى عليها نوعًا من المنمنمات الشرقية تارة إلى جانب الهالة الذهبية أو الصفراء اللون حول الرأس. ليمنح المعنى أيقونية دينية هي لعدد من الفتية الأرمن، ومقدسات توراتية لتراتيل تفوح بروحانية رمزية ظللها باللون الذهبي، وفق تكرار إيقاعي ذي نغمة وظفها بكثافة شخوصه والمنظور الموحي بعفوية المشهد المرسوم باللون، والخط، والظلال، والأبعاد الجمالية، فهو ينقل المشهد البصري تشكيليًا تبعًا لرؤيته الشخصية للشرق، وبنظام تكويني ذي شفافية تهيمن على التوزيع اللوني وتقنيته الداكنة مع المحافظة على إشراقة اللوحة رغم اللون الأسود المتجلي بلباس أو بأغطية توضح مشغولات النسوة وقيمتها اليدوية ذات التأثيرات العربية.

نقوش وتزويقات تزدحم بمكونات نسجها، لتمثل بمواضيعها بيئات يتكامل فيها الجمال بفطرية ساذجة تتوزع عناصرها ما بين الداخل والخارج، وما بين الفضاءات المتخيلة ضمن الإيقاعات المتناغمة بأشكالها التزويقية، وإكسسواراتها العريقة ليخلق وحدات بصرية تبهرها الألوان الحارة المتناغمة مع الأسود، والتي تشترك مع المزركشات المربعة أو المثلثة أو التي تتخذ أشكال زهور صغيرة ذات تشكيلات تضج بها اللوحة. فالحواس الفنية المحسوسة في لوحاته هي جزء من جمالية ينفتق عنها تنوعات في الشكل والموضوع، وكأن المشاهد هي قصص أو حكايا مسرحية أخرجها بالخط واللون، وبفن استشراقي يهدف إلى تميز وصفي انفرد في تصوير الحياة العربية من الداخل، كالبيوت والخيم وأساليب الحياة الاجتماعية الأسرية، وارتباط ذلك بالمرأة مع خصوصية كل شكل من أشكال الأثواب أو الإكسسوارات.

يغمر الفنان «جيرارد أفيديسيان» بتداخلات تملأ مساحة اللوحة، وكأنها مقطوعة حياتية تتلاصق فيها فلكلوريات توحي بنواحي مشتركة عند الأرمن أيضًا، كالترنيمات الموحية بهالات صفراء أو كتلك المرأة العربية الجالسة وهي تتكئ على مساند أسطوانية الشكل مشغولة بتطريزات نمنحها لونًا مع مساحة سوداء يستريح فيها البصر. لتنفصل عن الخطوط الانعكاسية في خلفية أشبه بالطراز الإسلامي أو الأندلسي متلاعبًا بالأشكال الهندسية والألوان الداكنة، وبمزيج من ألوان أخرى كالأزرق والبرتقالي الممتد حتى الزوايا مع اهتمامه بالحفاظ على شخصية المرأة العربية، وصراحة اللباس والممارسات اليدوية. لفن هو لغة استشراقية تهتم بتصوير رموز التزيين التقليدية للبيوت وزخارفها من الداخل حيث ترك لفطرية الأشكال بالظهور تبعًا لمشاعره وأحاسيسه، وانفعالاته تجاه هذا النوع من الرسم المزدحم بالأزياء التراثية والزخارف الشعبية.

محاكاة استشراقية فرضها جيرارد على اللوحة وخيالاتها الغارقة بشرقيات زخرفية، توقظ الحس العربي وتمنحه رؤية مغايرة للاستشراق. ولفن يكشف عن فنتازيا ذات مضمون اجتماعي، بيئي، تراثي، جمالي، يعتمد في تصويراته على الحدس والجمال، فاللوحات تتميز ببُعد واحد، وبتلقائية الشخوص السابحة في فضاءاتها، لتكتسب بُعدًا بصريًا إضافيًا وعلى كافة الأسطح التصويرية التي ملأها بزخرفات تغطي المساحات العلوية من اللوحة. ليتناقض سكون اللوحة مع حركة الألوان وانعكاساتها الضوئية. لتزدان بتعبيرات تفوح منها قصص ألف ليلة وليلة، ولكن بألوان وخطوط بدوية تجذب الحس الفني، والانفعالات التعبيرية المتحررة من التعقيد، والخطوط الهندسية والأفكار الأكاديمية ذات المميزات البسيطة بواقعيتها المتخيلة، والمغايرة بألوانها الصريحة والعفوية حتى بمعالم اللوحة بشكل عام.

تم نشره عام 2014

ضحى عبد الرؤوف المل

dohamol@hotmail.com