جزء من واقع يضعه الفنان "إيلي بو رجيلي" مع أساسيات الخيال

ضحى عبدالرؤوف المل

يبحث الفنان "إيلي بورجيلي" عن معنى الحياة في رسومات يبث فيها نوعًا من الذكريات الموجودة في كل منا. فهو يتمسك بالمادة الأولية لبناء اللوحة المأخوذة من بقايا البيئة أو بالأحرى من واقع الحياة التي لا يمكن إسعافها وتقديم الضمادات المناسبة إلا من خلال العودة إلى الطفولة ومحاسبة النفس الإنسانية على أفعالها المشينة بحق الإنسان والطبيعة، وكل ما من شأنه أن يسلب منا الجمال أو بالمعنى الأصح روح الجمال المنبعث من الإنسان أولًا وآخرًا. فالمواد التي لملمها من هنا وهناك هي جزء من واقع يضعه الفنان "إيلي بو رجيلي" مع أساسيات الخيال، لينتج رؤية بكر كطفل يداعب الرمل أو الحصى أو يرسم على الجدران ما يداعب به خياله ليكبر، وفي مخيلته تصميمات هي بمثابة عودة الماضي ومحاكاة الحاضر، لتصحيح المستقبل الآتي مع طفولة أخرى وشباب باحث عن الجمال، وكهولة نعالجها بفن معاصر يزيدنا دهشة ذهنية هي بمثابة أفكار تجعلنا نحتار من أين تأتي؟ وكيف؟ مما يجعلنا نتساءل أكثر: لماذا نبقى على قيد الحياة، والبعض يغادر؟ والجديد دائمًا هو فقط علامات تعجب أو سؤال.

يقول فريدريش نيتشه: "أن نحيا هو أن نعاني.. أن نبقى على قيد الحياة هو أن نجد معنى ما في المعاناة." قوانين صارمة في الحياة تمنعنا عن ممارسة اللعب خصوصًا حين نكبر، أي بين ممنوع ومحجوب ومرغوب أو ما هو سيء أو جيد دون الإدراك الجوهري لما هو راسخ في تربيتنا المنقوشة في ذاكرتنا. كما في لوحة تحمل تعابير مختلة. لهذا تنفلت الرؤية في لوحات الفنان "إيلي بورجيلي" عن قانون الفن التشكيلي، وتتوافق معها إذ يمارس مع اللوحة لعبة أقبل ولا أقبل، أريد ولا أريد، أوافق ولا أوافق بتذبذب طفولي وعقل قادر على بناء المعنى الحقيقي لجوهر الإنسان المتناقض مع نفسه. فالتضاد الحركي في لوحاته يضع شخوصه بين خيارات منها يمتد إلى فضاءات غير متوقعة، لنقع معه في فخ المتناقضات الحسية، كـ "نظيف ووسخ" برمزية اليد التي نتعلم منها كيفية المحافظة على نظافتها حسيًا، وبالمعنى الرمزي أي اليد الخالية من الجرائم والموبقات أو من مسؤولية تؤدي إلى الخراب والدمار وما إلى ذلك. فالمخبأ الحسي في لوحاته أكبر بمعناه من الظاهر الملموس، إضافة إلى المحافظة على الفكر الفلسفي والهندسي ومشاغبة ذهنية. أما المفاهيم الرياضية المؤسسة لعلم الفن منذ الطفولة وحتى آخر العمر فهي العودة إلى الذات لتنشأ بصفة مغايرة عما عهدناها به منذ الطفولة الأولى، لتشذيب النفس من مساوىء لمستها والعودة بها إلى ذكريات نصححها، لنعود إلى المستقبل بفكر واعٍ، وجمال يزيدنا وجدانية وعقلانية.

لحظات فنية يحمّلها الفنان "إيلي بو رجيلي" الكثير من أنواع الذكريات، ومن قصائد ملحمية تحمل في طياتها القيم الإنسانية حيث القبيح يجعلنا نفتش عن الجمال، وقساوة الحياة والفقر يجعلنا نحيا داخل الحلم الذي لا يفارقنا طيلة الحياة، وكثرة الحروب تستثير فينا معاني السلام. والوحدة، واليأس، والعزلة مفردات تؤدي إلى ما يعكس معانيها، لتحمل حقيبة سفر ونجول في ترحال نفتش فيه عن الذات في كل مرة، لتتجدد معاني الحياة، ونشعر بدفء العودة حيث التعافي من الأفكار الخفية والمحفوفة بسلبيات العيش. خلاصة فكرة إبداعية وضعها بورجيلي ضمن فن هو من مواد عادية جدًا كالخشب، والحصى، والشعر، وأنسجة قماشية، وألوان محبوكة بتقنية الفن الإبداعي والتشكيلي والتركيب وبسذاجة حاذق قادر على محاكاة الإنسان بكافة مراحله العمرية، ليضمن بذلك وصول المعنى إلى كافة الأزمنة التي لم يحددها في لوحاته. إنما ترك فيها لمسته الهندسية البنائية التي توحي بالفوضوية والعفوية.

التحرر من القيم والقيود هو تمسك بالمعنى المجازي في نواحٍ أخرى أكثر مرونة، ففي النفس رواسب لا يمكن التطهر منها لأنها تترجم أعمالنا بشتى أنواعها. فنيًا أو أدبيًا، وفي الفن التشكيلي أو التركيبي الإبداعي تقودنا إلى حيث الوعي الباطن الذي يغفو بوجود الوعي العقلاني، ويستيقظ بلحظات فجائية نبدع من خلالها. لأننا نستبش كل ما في الذاكرة ونضعه أمامنا، لنعيد تركيبه ذهنيًا بصقل فكري ناتج عن قوة الحياة والوجود، ونفي العدم. هذا ما نلمسه في لوحات ما هي إلا الأفكار الفلسفية المرسومة ببصيرة فنان يتخطى في أعماله المحظور والمرفوض، بقبول يسجل من خلاله براءة إنسان، وبتباين مرئي تدخر اللوحة صداه، كلما نظرنا إليها من زوايا مختلفة حيث تتجاوز بمعالمها فكرة الوجود الثابت، وتنطلق مع الشخوص نحو تجدد زمني مطموس المعالم، ولكنه مفتوح نحو الأمل أو الحياة المعافاة من المعاناة التي يبلسمها بلوحاته الفنان "إيلي بورجيلي".

فكر رياضي حسي وملموس، وتضاد بين الحركة والسكون مزدان بتكسرات خطوط أفقية وعامودية ومائلة، ومربعات وهواجس غرف وأشكال وأحجام تحفز متعة العين، وكأن الرائي ينظر إلى مجموعة فنية تمثل ألعاب أطفال في مراحلهم الأولى. إنما بنضج وانسجام بين الألوان الحارة والباردة، والمواد المستخدمة من الطبيعة، وبتسامي يهدف إلى خلق الخطوط الداخلية الديناميكية الغنية بالمعنى المادي للحياة، وبميتافيزيقية يجردها من فكرة الموت المطلق. ليتمسك بالحياة ويتساءل في كل لوحة لماذا نبقى على قيد الحياة؟ فهل استطاع "إيلي بو رجيلي" في معرضه هذا منح لوحاته قيمة حركية مغايرة من حيث الأبعاد الحسية فقط؟ أم أنه خلق فكرة فلسفية ترفض الحروب الداخلية في النفس ليحيا الإنسان بسلام مع الحياة؟

تم نشره في جريدة اللواء لبنان عام 2014