فن "الآيبرو" الذي يعتمد على الماء كمصدر حي ينبض بالحياة
ضحى عبدالرؤوف المل
تؤثر المياه على الألوان في "فن الآيبرو" (Ebru Art) الذي يلامس النفس الإنسانية، حيث تتفاعل المياه مع الألوان، وحواس الفنان المرتبطة بدقة يده أثناء تكوين الأشكال التي تتمايل إيقاعاتها ضمن زركشات فن "الآيبرو" الذي يعتمد على الماء كمصدر حي ينبض بالحياة ويثير دهشة بصرية. يحاول المتأمل في اللوحات فهم الخطوط الطبيعية التي ترتسم وفقًا لحركة تؤلف الفعل الفني المفضي إلى خلق الأشكال والأحجام، وضمن الخطوط المزخرفة المرسومة كخلفية ذات أبعاد جمالية تشبه فن التطريز على القماش، ولكن هنا التطريز بالألوان والماء، وبنتيجة غير متوقعة أو بالأحرى لم يخطط لها مسبقًا من قبل الفنان. إذ يعتمد على حركة التشكيلات، وما ينتج من تفاعله معها. وإن وجد تخطيط مسبق للقياسات والأبعاد، فاللوحة في فن "الآيبرو" لا تتكرر لأنها وليدة تفاعل جمالي محاكي للبصر عن طريق حدس الفنان في إيجاد الرسومات الفجائية التي تتشكل، وكأنها نوتة موسيقية يعزفها عازف قانون لمرة واحدة فقط.
تقول الفنانة "زينة شبيب" عن مشاركتها في المعرض بثلاث لوحات من "فن الآيبرو": "فن الآيبرو هو فن الرسم على الماء. يقوم الفنان بوضع الألوان لتطفو على سطح المياه، ويشكلها بواسطة الأدوات التي تتراوح بين الإبر الرفيعة والغليظة. هو فن الحلم، أي أن الألوان المتماوجة تتحرك بحرية دون قيود، وتتبع حركة اليد بدقة متناهية حتى أدنى التفاصيل، فتراها عين الفنان في خياله قبل أن تصبح حقيقة، لأن تشكيلها يتم وينتهي على صفحة المياه قبل أن تُطبع على صفحات الأوراق."
رؤية فنية نوعًا ما رخامية في تشكيلاتها الرومانسية الملامسة للطبيعة في ألوانها وتفرعها، وتغصيناتها ذات الزهور المختلفة في إشراقاتها اللونية وفوضيتها الكونية المتلاشية ضمن نظم التفاعل الجمالي المؤدي إلى خلق الأنماط الترخيمية، لفن أصباغ تطفو على صفحة الماء، وتتحكم بها يد الفنان التي تعتمد على توازن المواد الكيميائية من ماء وألوان وحركة تشكيل روحية هادئة تنطبع برقة شاعرية تعيدنا إلى القديم الجديد من حيث التفاعل التخيلي مع الصورة وانطباعاتها في الذهن المتحرك مع الماء الذي يساعد في تكوين الرسومات المتشكلة.
تعتبر الفنانة "زينة شبيب" أن اتجاهها لهذا الفن تعبيرًا منها للجمال الذي يحتاج لتكوينات تفاعلية، ولأنه فن ساحر من حيث الدقة والتقنية التي يتطلبها. فالكثيرون لا يعرفون هذه الطريقة مع أنها منتشرة في بعض البلدان مثل تركيا حيث تعلمتها وسحرتني بتفاصيلها. فإن التشكيل والتعاطي مع الألوان التي تطفو بحرية على سطح الماء من أصعب ما يكون، ورغم ذلك أحببت التحدي، وخضت تلك المغامرة لتطوير والاستفادة من خبرات تلك التجربة.
صبر وتوازن وترخيم لألوان لا تذوب مع الماء بل تتلاشى، لتستعد لإبرة دقيقة تزهر مع التعريشات أو الأشكال النباتية التي اختارتها الفنانة "زينة شبيب" كالقرنفل وغيرها، لتكون ضمن رؤية تفاعلت مع مخيلتها الأنثوية الرقيقة في خطوطها الكلاسيكية المستوحاة من فن تركي قديم وما زال حتى الآن فن البساطة والتعقيد. كما أنه فن رخامي ورقي ذي جمال بصري ينساب مع الخطوط بشفافية تمنح الحس قيمة وجدانية تعلو مع الرسومات التي تنبع من انطباعات الفنان ومخيلته وحواسه المتماسكة، وكأنه ينحت من الماء رسومات تستجيب للتفاعل الكيميائي والفني في الوقت نفسه.
تجريد لخلفيات هي أساس ترخيمي حالم باختلاطات نفسية تأملية، وواقع انطباعي يستمد من الطبيعة جمالياتها. فزهور الفنانة "زينة شبيب" هي بداية فنية انطلقت منها في فن "الآيبرو". أتمنى أن نرى من خلالها إبداعات أخرى تفيض بالحروف العربية، وهي التي ترسم أيضًا الحروفيات الإسلامية. إنما في لوحاتها المشاركة في هذا المعرض معنى يختلف من حيث الرقة والدقة، والعودة إلى جمالية مختلفة في رؤاها الرومانسية والشاعرية عن لوحة الحروفيات التي شاركت بها أيضًا. إذ تتميز لوحاتها النباتية أو المزهرة والنابضة بالحياة بحركة كلاسيكية تتجدد زمنيًا مع هذا الفن التركي الذي يمتد إلى زمن طريق الحرير الذي ازدهر في حقبة معينة، فهي اختارت فن "الآيبرو" لأنه خاطب حواسها الفنية في إيجاد الأساليب التعبيرية عن يد أمسكَت بالفرشاة. كما أمسكت بالإبر الدقيقة، لتنحت من أشكال الطبيعة ما يمتصه الورق من اتجاهات معاكسة تشبه المد والجزر، وضمن سماكة وشفافية تتناسب مع الأشكال المرسومة بأسلوب كلاسيكي لهذا الفن المتميز من حيث الجمالية الفنية.
تأثيرات حركية تتوزع وتتساوى على سطوح تشكل قاعدة يلتقطها الورق بعد أن يتم الرسم على صفحة الماء، وكأن الخطوط هي موجات طولية تترجم قوة اللون وثباته مع الماء بل وتفاعلاته الحية، وكأنها خلايا تنبض بأكسير حياة مزهرة مع التوليب أو القرنفل أو أي نوع من الزهور التي اختارتها الفنانة "زينة شبيب" في تشكيل لوحاتها الرقيقة التي تنطلق منها نحو هذا الفن المحافظ على تراثياته القديمة، والذي نتمنى لها من خلاله رسم انطلاقة فنية في معارض فردية نرى من خلالها هذا الفن بشكل أوسع مع الحروف العربية.
تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء