واقع مؤثر في الفن

"أميركا تقود الطريق بالرقص"

في فيلم "Stepping High" للمخرج هنري شار (Henri Charr)

ضحى عبدالرؤوف المل - لبنان

"إذًا هذه المدرسة الجديدة هي من إيران، ويبدو أنها تحمل أجندتها الخاصة، هذا سخف. أجل، ما تعلمه هنا ليس ما يجب أن يكون عليه المرء، بولروم الباليه". بهذه اللهجة خاطب الأسقف أهالي التلاميذ في الجامعة التي تدرس فيها "سيما" الخطوات الراقصة المؤثرة في الفن، وهجوم الأسقف عليها ترك لها مساحة واسعة للرد عليه، ولكن بلهجة الفن المؤثر: "لو لم نقدر الفن من حول العالم، لما كان لدينا الباليه أو الهيب هوب. أميركا تقود الطريق بالرقص. لأنه كمجتمع حر، نجمع كل ما هو فريد من حول العالم."

يحاول كاتب فيلم "الخطوة العالية" (Stepping High) "سكريسكاندا" (Sreescanda) رواية قصة "سيما"، وهي امرأة إيرانية تعيش في أميركا، حيث الحرية بعيدًا عن قوانين الأسرة، وهي التي عاشت مع عائلة تمتلك الجنسية الأميركية. تعشق الرقص وتتمرد على عاداتها الأسرية الشرقية. لكنها بلغت من العمر 32 سنة، وهذا منعها من ممارسة أحلامها في المشاركة في مسابقات الرقص أو الانضمام لفرق عالمية للرقص. فاتجهت إلى تدريس الرقص في جامعة حيث تعيش في المدينة نفسها مع أهلها. تمارس "سيما" الرقص كترجمة انفعالية عن الغضب العارم المتمثل في التغيرات الاجتماعية التي تحاول الوصول إليها لتنتفض على التقاليد الاجتماعية، حتى في الجامعة التي تدرس فيها، حيث يراها الأسقف، وهي تقوم بتمارين رقص شرقية لطلاب أميركيين، معتبرًا بذلك أنها إرهابية لأنها تؤثر على عقول طلابها كونها عربية الأصل ومن إيران.

يعالج الفيلم بجدلية فنية شبيهة بفيلم "Step Up" أو "الخطوات الساخنة" قضية الحادي عشر من سبتمبر، وتأثيراتها على الغرب، أو بالأحرى على بعض العقول الغربية، والتعصب الأعمى الذي يقود البعض إلى رفض غير مبرر دون اللجوء إلى المنطق أو التحليل الذاتي. إلا أن الفيلم أيضًا يضع المرأة أمام مواجهات مختلفة، وبمقارنات بين العرب والغرب كحقوق امرأة مثل "سيما" التي بلغت الثانية والثلاثين، ولم تيأس كونها أصبحت بعمر لا يسمح لها بمشاركة في الرقص، وأيضًا برفضها للزواج التقليدي المفروض عليها من قبل والدها، وبوالدة تلميذتها التي تضرب من زوجها في بلد يحافظ على حقوق المرأة وحق الدفاع عن النفس. كما حصل مع "سيما" أمام مجلس الأهالي حين ارتفعت الأصوات بطردها بعد معرفة أصولها العربية، مما اضطرها للرد بأسلوب مهنتها التعبيرية أو اللغة التي تتقنها "سيما".

إن الخيوط المتشابكة في الفيلم، بتفاوت مضموني بين أصولية عربية وجنسية أميركية، وعادات اجتماعية عائلية لأسرة عربية تحافظ على هويتها في أميركا، لم تشفع لـ"سيما" بالتوقف عن مساعيها للحصول على الزواج من الرجل الذي تحب من أهلها، خصوصًا أن الشاب الأميركي مرفوض من والدها المصر على تزويجها من شاب إيراني. فالرؤية نوعًا ما تخلخلت في القصة التي كتبتها "سكريسكاندا" (Sreescanda) من حيث التطرق لموضوع الحادي عشر من سبتمبر ونظرة الإرهاب الشمولية عن العرب وارتباطها بلغة الرقص المؤثرة في النفس، فالعادات والتقاليد في الرقص مرتبطة بالشعوب. إذا يؤثر الرقص التعبيري كنص بصري حركي مقروء حسيًا من خلال الإيقاع والمفهوم على التلاميذ، وعلى المتفرج، وفي هذا نظرة عالمية صامتة يستطيع العقل التطلع عليها من خلال الحركة وترجمتها، وهذا ما عالجه الفيلم بطريقة دون السعي لإبراز المنطق السينمائي المثير بقوة حيث لم تتوازَ الموضوعية والذاتية بين المواضيع الثانوية المطروحة بكلاسيكية باردة مع المواضيع والأسس التي أراد كل من المؤلف والمخرج تسليط الضوء عليها، وهي سياسة أميركا الانفتاحية واعتذارها المتواضع إن أخطأت مع التشديد على قيادة العالم من نواحٍ مختلفة كالانفتاح والعدل والمساواة، وكان المخرج أو المؤلف يقدم برنامجه الانتخابي بلغة فن سينمائيّة تترجمها خطوات رقص تقوم بها امرأة من أصول إيرانية وجنسية أميركية.

يحمل فن الرقص في طياته معاني ثورية وانتفاضات قوية في معناها الإيحائي والفكري، فهو تفريغ لشحنات النفس بكافة ميولها التعبيرية، وهو ليس مجرد خطوات عابرة لا معنى لها وعبثية في تصميماتها. كما أنه لغة يتقنها الجسد، وبليونة تحتاج لصقل ثقافي وجمالي دائم. إذ ارتبط الرقص بالتعبير عن كل ما يخالج الذات، فهي لغة قادرة على اختراق حواجز اللغات، لهذا حمل الفيلم عنوانه "الخطوة العالية"، ليدمج بذلك المعنى مع المضمون بأسلوب راقص يتوج أميركا على سادة الشعوب كافة، وهذا ما نادى فيه الفيلم عبر مشاهد متعددة منها المحاكمة، ومنها الاعتذار من مديرة الجامعة لـ"سيما" التي استطاعت الدفاع عن نفسها برقصة قام بها التلاميذ، جمعت من خلالها أنواع الرقص من كافة البلدان، لتقول على المسرح: "هذه هي أميركا".

كوريغرافيا لم تستطع منح المشاهد في الرقصات جمالية تفرّد بها الفيلم بمعنى الإبداع وإثارة الدهشة. إذ بدت الرقصات ضعيفة أسلوبيا مقارنة مع المعنى الذي يريد إيصالَه الفيلم لفكر المشاهد والمبطن بعدة مفاهيم يعالجها بإيحاءات ضمنية. لهذا لم تكن الخطوات مدروسة بشكل جمالي متوازن لأن الفيلم لا يهدف إلى الرقص فقط. كما أن الديكور واللباس والفكرة لم ينسجموا مع الرؤية بشكل عام. إن الفيلم في ظاهره يحمل معاناة "سيما" ليضعها ضمن برنامجها الراقص في الحياة. أما في باطنه فهو يعالج موضوع سيادة أميركا، ومثاليتها في التسامح والعدل، ومنح الإنسان احترامًا يتمثل في كينونته وحريته، وهو الحر في الدفاع عن ذاته وبرهنة أن الإنسان القادر على الحياة هو المتبني لأفكار تتبع توجهاته الإنسانية الخاصة في أميركا دون كبت يمارسه البعض عليه أو انتهاكات يتم السكوت عنها، وأخيرًا احترام المرأة بشكل خاص.

تهيمن على الفيلم نزعة كلاسيكية من حيث النهاية المحملة بروتين ختام ينضح باستنتاجات لا تمنح المتلقي دهشة تكفي لإثارته ذهنيًا، بل وضعته أمام معادلة التأليف والإخراج بموضوع قصصي لم يُعالج بديناميكية حارة تمسك بالمتلقي وبشغفه من البداية وحتى النهاية. بل تركته ضمن فواصل يحتاج إلى تجميعها ليستعيد المواضيع الثانوية المتعددة، وكأنه فن معاصر يهدف إلى إرساء قاعدة فكرية عن أميركية عبر فيلم تجاري هيمنت عليه فكرة التعصب بعد انفجارات الحادي عشر من سبتمبر. إلا أن الموسيقى التصويرية وضعت المشاهد حسّيًا في تتبع سمعي يدرك من خلالها قيمة المشهد، فالتصوير أيضًا توسع في الضوء ضمن المشاهد الداخلية مع انعكاسات كان يمكن لها أن تؤدى بشكل فني مريح للعين، فالسمع وحده كان بمثابة العين المبصرة على التتابع الحركي والتسلسلي في الرقصات والانفعالات التمثيلية المرسومة على الوجوه أحيانًا.

مدة الفيلم: ساعة و38 دقيقة

للمخرج: هنري شار (Henri Charr)

بطولة: أمير كورانجي (Amir M. Korangy)، براندون بلتران (Brandon Beltran)، رايان راميريز (Ryan Ramirez)

تم نشره عام 2014 في جريدة المدى